جريدة البديل السياسي |قضايا المجتمع

«الشطب» بدل التكريم: حين تُهان كرامة المتقاعد بالقاموس الإداري وباسم القانون : خلل لغوي أم عنف رمزي؟

téléchargement (36)

جريدة البديل السياسي 

ليست اللغة مجرّد أداة للتواصل، بل هي حاملة للقيم، ومرآة لوعي الدولة بمواطنيها، ومؤشر صريح على مدى احترامها لكرامتهم.

ومن هذا المنطلق، تعتبر هيئة المتقاعدين المغاربة أن التعامل اللغوي الذي تنهجه بعض إدارات الدولة مع فئة المتقاعدين يطرح إشكالًا عميقًا، يتجاوز الشكل إلى الجوهر، ويمسّ في الصميم الكرامة المعنوية لموظفين أفنوا أعمارهم في خدمة المرفق العمومي.

وفي هذا السياق، دقّت الهيئة ناقوس الخطر بخصوص المفاهيم والمصطلحات والمفردات الرسمية المعتمدة في مراسلات وقرارات الإحالة على التقاعد، معتبرة أن جزءًا منها ينطوي على مسّ رمزي مهين، يسيء إلى مكانة المتقاعد، ويتنكر لما قدّمه من تضحيات وعطاءات طيلة مساره المهني.

وهو ما دفع الهيئة إلى مراسلة الجهة الوصية، ونقل هذا الانشغال المشروع إلى قبة البرلمان.

وفي الإطار ذاته، وجّه النائب البرلماني مولاي المهدي الفاطمي، عضو الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس النواب، سؤالًا كتابيًا إلى السيدة أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، حول الاستعمال المتكرر لمصطلحات إدارية اعتبرها ماسّة بالكرامة المعنوية للموظفين المحالين على التقاعد.

وسجّل النائب البرلماني أن الإدارة، عند إحالة الموظفين على التقاعد، تلجأ إلى صيغ من قبيل: «الشطب عليه من أسلاك الوظيفة العمومية»، وهي عبارة ذات حمولة لغوية سلبية، ترتبط في الوعي الجمعي بسياقات الزجر والعقاب والتأديب، لا بسياق طبيعي وقانوني كالإحالة على التقاعد بعد استيفاء المسار المهني.

فالإشكال، في جوهره، لا يتعلق بالآثار القانونية أو الإدارية لمسطرة التقاعد، وهي أمور لا جدال فيها، وإنما يكمن أساسًا في البعد الرمزي والمعنوي للصياغات والمفردات المعتمدة، لما تحمله من إيحاءات ودلالات على الإقصاء أو المحو، بدل اختيار لغة تُعبّر عن الاعتراف والامتنان لمسار مهني حافل بالعطاء وخدمة الصالح العام.

فكيف يمكن لموظف قضى عقودًا في التعليم، أو الصحة، أو مختلف الإدارات العمومية، وأسهم في تكوين أجيال وبناء مؤسسات، أن يُختزل ختام مساره المهني في لفظة «الشطب»؟

وأي رسالة نفسية وإنسانية تُوجَّه إليه وإلى أسرته حين يُخاطَب بلغة توحي بالإدانة بدل التكريم؟

إن هذا النوع من الصياغات والمصطلحات لا يسيء فقط إلى الأفراد، بل يكرّس عنفًا رمزيًا تمارسه الإدارة باسم الحياد القانوني، في تناقض صارخ مع روح الدستور الذي يجعل الكرامة الإنسانية في صلب منظومة الحقوق، ومع خطاب رسمي يرفع شعار تخليق الإدارة وتحسين علاقتها بالمواطن.

ومن هنا، يظل التساؤل مشروعًا حول الأساس القانوني والأخلاقي لاعتماد مصطلح «الشطب» في حالات الإحالة على التقاعد، رغم الاختلاف

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي