جريدة البديل السياسي
الجذور والمؤسسة (الزاوية القادرية الشكرية)
ينتمي الحاج امحمد القادري إلى أسرة علمية عريقة، ترتبط بالزاوية القادرية التي أسسها الشيخ المرابط الإدريسي عبد القادر بن محمد بن عمران التلوانتي في مطلع القرن التاسع عشر بخمس بني شكر من قبيلة قلعية. وقد لعبت هذه الزاوية دورًا محوريًا في التكوين الديني والثقافي والاجتماعي، وأسهمت في الحفاظ على الهوية الدينية والتقاليد العلمية بالمنطقة، كما احتفظت بعلاقات وثيقة مع سلاطين الدولة العلوية.

ويعد أحد أبرز أعلام المؤسسة الدينية القادرية بمنطقة الريف الشرقي خلال النصف الأول من القرن العشرين، كما يمثل شخصية علمية وقضائية بارزة ارتبط اسمها بالدفاع عن استقلال القضاء الشرعي في مواجهة تدخلات نظام الحماية الإسبانية.
المسار العلمي والمهني
ولد بالزاوية سنة 1864م، وتلقى تعليمه بمساجد الريف الشرقي، ثم بمازونة، وعاد إلى تطوان، ثم واصل تعليمه بجامعة القرويين، وتخرج فيها في أواخر القرن التاسع عشر (1893م)، ما منحه كفاءة علمية عالية، فعاد إلى منطقته ليزاول التدريس بالزاوية القادرية، أشرف على معهد الزاوية “دار الطالب” حيث أمضى قرابة عقدين في تعليم العلوم الشرعية والتصوف. وخلف وراءه مجموعة من التدوينات والتقاييد التي توثق علاقاته العلمية واتصالاته بعلماء عصره، إلى جانب ملاحظاته حول أوضاع القضاء الشرعي خلال فترة الحماية الإسبانية. مع مشاركته إلى جانب رجال الزاوية في التعبئة لمحاربة الدعي بوحمارة الذي نقل مقر حركته إلى سلوان، ما أدى إلى خلق بلبلة كبيرة وسط الريفيين، بين مصدق له، وبين مكذب.
بعد وفاة سلفه محمد القادري الصغير سنة 1918، تولى امحمد القادري مشيخة الزاوية القادرية، حيث عمل على تجديد نشاطها والحفاظ على مكانتها رغم الظروف الصعبة التي فرضتها الحماية الإسبانية على شمال المغرب. وقد تزامنت هذه المسؤولية الدينية مع انخراطه في العمل القضائي، حيث عُيّن قاضيًا لقبيلة قلعية سنة 1922، في سياق إعادة تنظيم الجهاز القضائي بعد الاضطرابات التي عرفتها المنطقة عقب معارك أنوال بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي.
ثم تمت ترقيته عام 1925 ليصبح نائب قاضي القضاة بالمنطقة الشرقية، ومقره بمدينة مليلية.
مواجهة الاختلالات الاستعمارية
قبل قبول هذا المنصب، تردد القادري كثيرًا بسبب إدراكه صعوبة المهمة، خاصة في ظل تدخل الإدارة الإسبانية في شؤون القضاء الشرعي. ولم يقبل المنصب إلا بعد استشارة بعض العلماء، الذين نصحوه بضرورة تحمل المسؤولية إذا كان قادرًا على حماية الشرع وخدمة المجتمع. وقد عبّر عن ذلك في دعاء الاستخارة الذي أرسله ضمن رسالة قبوله الرسمية، مؤكدًا عزمه على الدفاع عن العدالة الشرعية.
كانت الحماية الإسبانية قد شرعت منذ سنة 1913 في إعادة تنظيم القضاء الإسلامي بمنطقة نفوذها، حيث أنشأت إدارة العدلية الإسلامية، وقسمت شمال المغرب إلى منطقتين عدليتين: غربية وشرقية. ورغم أن هذا التنظيم أُعلن رسميًا باعتباره اعترافًا باستقلال القضاء الشرعي، فإن الواقع كشف عن تدخل واسع من قبل السلطات الإسبانية.
وقد تمثل هذا التدخل في عدة مظاهر، يمكن إجمالها في ثلاثة إجراءات إدارية ذات الغاية منها تقويض نظام القضاء الشرعي في الريف:
- خطة تعيين مراقبين إسبان للقضاء الشرعي: كان الضباط الإسبان يحضرون الجلسات، كمراقبين، لكنهم كانوا يتجاوزون دور المراقبة، ويتدخلون في الأحكام الشرعية؛
- الاحتفاظ بسجلات الدعاوى والأحكام؛
- التدخل في تنفيذ الأحكام أو تعطيلها، خاصة في قضايا القصاص والقتل، لحسابات سياسية وعسكرية. بل وحتى الفصل في بعض القضايا خارج الإطار الشرعي. بتحويل القضايا من القضاء الشرعي إلى المحاكم الإسبانية أو العرفية. كما كان المراقبون قادرين على عزل القضاة أو نقلهم تعسفيًا، ما جعل القضاء الشرعي خاضعًا لسلطة الإدارة الاستعمارية بدل أن يكون مستقلًا كما ينص القانون.
هذه الإجراءات الإدارية التعسفية جعلت القاضي يعيش صراعاً مريراً مع نظام الحماية الإسباني الذي حاول تقويض القضاء الشرعي، وتحويله إلى جهاز شكلي فاقد للاستقلال، بل وخادم للاستعمار الإسباني. وقد سجل القادري هذه الاختلالات خلال ممارسته القضاء، خاصة في قبائل قلعية وكبدانة وبني سيدال.
نداءات الإصلاح والمواقف الحازمة
تميّز الشيخ القادري بوعيه الوطني المبكر، حيث اعتبر الدفاع عن حصانة القضاء وجهاً من أوجه مقاومة الاستعمار. وفي مواجهة هذا الوضع، بادر القادري إلى الاحتجاج بتوجيه رسائل احتجاج إلى وزارة العدلية، دعا فيها إلى إصلاح القضاء الشرعي وحمايته من التدخل الأجنبي. مهدداً بالاستقالة إذا لم يتم إصلاح “انحلال عقد الشرع”. ففي رسالة مؤرخة سنة 1923، عبّر عن استيائه من تعطيل الأحكام الشرعية، مشيرًا إلى توثيقه العديد من القضايا كانت تُفصل في المحاكم الشرعية، لكنها لا تُنفذ بسبب تدخل السلطات الإسبانية. كما هدد بالتوقف عن ممارسة مهامه إذا استمر هذا الوضع، معتبرًا أن القضاء فقد فعاليته.
ورغم هذه الاحتجاجات، استمر تدخل الإدارة الإسبانية، بل ازداد بعد نهاية ثورة الريف سنة 1926، حيث صدرت تعليمات جديدة تمنح المراقبين سلطة أكبر في مراقبة الأحكام الشرعية وتقييمها. وأدى ذلك إلى تعطيل العديد من الأحكام، خاصة تلك المتعلقة بالجرائم الخطيرة، مثل القتل، حيث سجل القادري حالات عديدة لم يتم فيها تنفيذ القصاص بسبب تدخل السلطات الاستعمارية.
ورغم هذه الظروف، واصل القادري أداء مهامه القضائية بجدية وصرامة، حيث كان يحرص على التحقيق الدقيق في القضايا قبل إصدار الأحكام، ويتجنب إصدار أحكام غير مدعومة بالأدلة. كما سعى إلى تنظيم الجهاز القضائي، خاصة بعد ترقيته سنة 1925 إلى منصب نائب قاضي القضاة بالمنطقة الشرقية، وهو منصب يعادل نائب وزير العدل، حيث أصبح مسؤولًا عن الإشراف على عشرات القضاة والمحاكم المنتشرة في المنطقة.
وخلال هذه الفترة، واصل القادري توجيه رسائل الإصلاح، مطالبًا بوضع حد لتدخل الإدارة الإسبانية، وحماية القضاء الشرعي من الانهيار. وقد جمع في تقاييده عددًا من الأمثلة التي توضح خطورة الوضع، مشيرًا إلى تعطيل أحكام القصاص، وإفلات بعض الجناة من العقاب بسبب حماية السلطات الإسبانية لهم. واعتبر أن هذا الوضع يمثل تهديدًا خطيرًا للعدالة الشرعية، ويقوض ثقة المجتمع في القضاء.
الاستقالة والاعتزال (1935)
غير أن هذه المواقف الإصلاحية لم تكن محل ترحيب من قبل السلطات الاستعمارية، التي اعتبرت احتجاجاته تحديًا لسلطتها. ويبدو أن هذه المواقف كانت أحد الأسباب التي أدت إلى إعفائه من منصبه، بعد سنوات من الضغوط والمضايقات. فبسبب الضغوط المتزايدة من “مكتب الشؤون الأهلية” (المؤسسة العسكرية الإسبانية) ومحاولاتهم عزل القضاء عن تأثيره الشعبي، قرر الشيخ القادري الانسحاب نهائياً من الوظيفة المخزنية عام 1935، بدل الاستمرار في ظل ظروف تقوض استقلال القضاء.
وقد عبّر عن موقفه هذا في أبيات شعرية تدل على تشبثه بكرامته كقاض، واعتزازه بمبادئه، وتأكيده على تمسكه بالحق والعدل، بدل البقاء في منصب إداري صوري، يجعله خاضعا للسلطة الاستعمارية التي طالما قاومها رفقة أبائه وأجداده الذين ضحوا بأمنهم وأرزاقهم في محاربتها. وقد شكل انسحابه نهاية مرحلة مهمة من حياته القضائية، لكنه ظل محتفظًا بمكانته العلمية والدينية.
وتكشف تجربة الحاج امحمد القادري عن دور العلماء في مقاومة التدخل الاستعماري، ليس فقط من خلال المقاومة المسلحة، بل أيضًا عبر الدفاع عن المؤسسات الشرعية، وخاصة القضاء. فقد شكلت دعواته إلى الإصلاح جزءًا من الحركة الوطنية التي سعت إلى الحفاظ على استقلال القضاء الشرعي، وحماية الهوية
القانونية للمجتمع المغربي.
كما تبرز هذه التجربة حجم التحديات التي واجهها القضاء الشرعي خلال فترة الحماية، حيث تعرض لتدخلات واسعة هدفت إلى تقويض استقلاله، وإخضاعه للسلطة الاستعمارية. ورغم ذلك، ساهمت جهود القادري وغيره من العلماء في الحفاظ على استمرارية القضاء الشرعي، وتمهيد الطريق لإصلاحه لاحقًا.
يمكن اعتبار الحاج امحمد القادري نموذجًا للعالم القاضي الذي جمع بين العلم والعمل، والنضال القانوني، والدفاع عن العدالة والاستقلال، حيث شكلت مواقفه الإصلاحية صفحة مشرقة في تاريخ القضاء الشرعي بالريف الشرقي، وأسهمت في الحفاظ على كرامته واستقلاله في واحدة من أصعب الفترات في تاريخ المغرب. استغل منصبه لحماية الهوية التشريعية المغربية في الريف ضد محاولات التذويب الاستعمارية.
المراجع:
محاضرة الدكتور حسن الفيكيكي في ندوة المجلس العلمي بالدريوش يوم 28 أبريل 2018.
حسن الفيكيكي، معلمة المغرب، مادة القادري محمد، الجزء4، ص6573 وما بعدها.
إفادات الأستاذ عبد القادر شقيقي القادري.
الحاج امحمد (حمو) القادري ودوره في الدفاع عن القضاء الشرعي بالريف الشرقي
الزبير مهداد



تعليقات
0