جريدة البديل السياسي
تعاني الأرامل من حيف وظلم كبير في المجتمع، سواء بين الأقارب أو وسط الأحياء الشعبية، أو من قبل مؤسسات الدولة أو الحكومة التي تنكرت لحقوقهن المنصوص عليها في الدستور، والتي توصي بضرورة توفير الكرامة والعيش الكريم والإنصاف لهاته الفئة المهمشة والمنسية في المجتمع المغربي.
تطرح الظروف الاجتماعية اليومية التي تعيشها الأرامل سؤال أين الدولة الاجتماعية؟ لاسيما وأن الكثير منهن يتقاضين معاشات هزيلة لا تكفي لتوفير لقمة العيش طيلة الشهر، في ظل الارتفاع المهول للأسعار والغلاء الذي يكتسح جميع الأسواق (غلاء المواد الغذائية الأساسية مثل اللحوم والخضر)، مما يجعل هذه الفئة تعيش على الهامش في ظل غياب أي دعم حقيقي يحقق لها كرامتها ويصون عرضها.
فالكثير من الأرامل يتحملن مشقة تربية الأطفال ومواجهة جميع ظروف الحياة القاسية، والاشتغال في أعمال التنظيف الشاقة من أجل الحصول على أجرة هزيلة، سواء لدى شركات المناولة أو في المنازل كخادمات لدى نساء أخريات، وهناك أرامل يعملن في الإدارات العمومية ضمن الإنعاش الوطني، يتم استغلالهن بشكل بشع وتحويلهن إلى خادمات في بيوتهم.
وضعية النساء الأرامل حاليا تطرح عدة تساؤلات على المسؤولين: أين صندوق دعم الأرامل والمطلقات؟ لماذا تم إقبار مشروع هذا الصندوق في بدايته بسبب حسابات سياسية بين حكومة أخنوش والحكومات السابقة؟ ولماذا تم تخفيض الدعم الشهري من ألف درهم الى 500 درهم فقط في الدعم الاجتماعي؟ ولماذا تحرم الأرملة من معاش زوجها الكامل وتحصل على نصفه فقط ؟
من الأرامل اللواتي يعشن ظلما كبيرا من قبل الإدارة والدولة والمؤسسة التابعة لها، أرامل العسكريين اللواتي خرجن في عدة وقفات احتجاجية رفقة قدماء العسكريين، للمطالبة بإنصافهن والزيادة في أجورهن، بحيث أن الغالبية من هاته الفئة تحصل فقط على معاش أقل من 700 درهم شهريا أو 350 درهما، بسبب قرارات إدارية مجحفة في حق أزواجهن لا تستحضر التضحيات التي قاموا بها خلال سنوات الخدمة والوظيفة، مما يجعل المصالح الاجتماعية المكلفة لا تعترف بحقوق أرامل العسكريين، وتضع أمامهن عراقيل وعقبات كثيرة تحرمهن من تسوية وضعيتهن الاجتماعية.
في هذا السياق، تقول بثينة قروري، رئيسة منتدى الزهراء للمرأة المغربية، أنه ينبغي التمييز بالنسبة للأرامل بين فئتين: فئة الأرامل اللواتي ينتمين للأسر المعوزة وهؤلاء من المفترض أن الدعم المقدم لهن يندرج ضمن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر الذي يتم صرفه للأسر المعوزة التي لا تستفيد من أي تعويضات عائلية، ففي الحكومات السابقة تم ربط استفادة النساء الأرامل بكونهن حاضنات لأطفالهن الأيتام.
وأكدت قروري على أنه بعد دخول برنامج الدعم الاجتماعي حيز التنفيذ، تم حرمان الأرامل اللواتي كن يستفدن من دعم يصل إلى 1050 درهما، وتم إدماجهن في برنامج الدعم الاجتماعي الذي يعاني من مشاكل بنيوية لم يتم حلها إلى الآن، وهي المتعلقة بالتنقيط الذي يتم منحه للأسر بناء على عدد من المعطيات، كعدد أفراد الأسرة، ومكان السكن، والتوفر على اشتراك في الهاتف، وغير ذلك.. وهو ما اشتهر بـ”المؤشر”، الذي تضمن معايير غير عقلانية أدت إلى حرمان عدد من المستحقين، ومنهم أرامل وجدن أنفسهن مقصيات، لأن “المؤشر” لم يسعفهن للاستفادة من الدعم، أو تحصلن فقط على الحد الأدنى من الدعم وهو 500 درهم.
وأوضحت نفس المتحدثة، أن الفئة الثانية من النساء الأرامل، هن اللواتي يستفدن من معاش أزواجهن، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن 75 % من متقاعدي صندوق الضمان الاجتماعي يتقاضون معاشات أقل من 2000 درهم، و الأرملة تستفيد فقط من نصف معاش زوجها المتوفى، مضيفة أنه مع غلاء الأسعار وارتفاع كلفة المعيشة، فإن الأوضاع المعيشية لهذه الفئة من الأرامل تصبح هشة وتسقط في فئة الأسر المعوزة، لكنها لا تستفيد من أي دعم اجتماعي، وهو ما يتطلب مراجعة الحد الأدنى للمعاشات التي لا ينبغي لها أن تكون أقل من الحد الأدنى للأجور بأي حال من الأحوال أو استفادة الأرامل من معاشات أزواجهن كاملة بدل 50 %.
من جانبها، بشرى عبدو، رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، قالت أن النساء الأرامل يعانين مثل بقية الفئات الهشة الأخرى، خاصة عند إيجاد نساء لا يستفدن من صناديق التكفل وليست لهن إمكانيات مادية من أجل تلبية الحاجيات الضرورية، خاصة وأن الأرامل اللواتي لهن معاشا مريحا هن فئة محدودة، بينما الغالبية العظمى هن أرامل أزواجهن كانوا يعيشون في الفقر والهشاشة بدون أجرة قارة وبدون تقاعد، مضيفة أن هذه الفئة من النساء يعشن الويلات وظروف صعبة ويخرجن للعمل في القطاع الغير مهيكل، ويتم استغلالهن من طرف العائلات في العمل المنزلي، موضحة: “عندما نتحدث عن الأرامل وكيف يمكن حل مشاكلهن المعيشية رفقة أطفالهن، لابد من توفير صندوق قار من أجل الإعالة وليس فقط الحماية الاجتماعية التي لا توفر سوى 500 درهم فقط كدعم، لهذا لابد من إعادة النظر في كيفية تدبير هذه الصناديق لإنصاف الأرامل، كما أن الأرملة تتقاضى معاشا هزيلا رفقة أبنائها، يجب الرفع منه من أجل العيش الكريم، خاصة إذا كان أطفالها لازالوا في مرحلة الحضانة أو تلاميذ في المدرسة أو في وضعية إعاقة”، معتبرة أن الدعم المقدم في إطار الحماية الاجتماعية، بحسب “المؤشر”، قليل وغير كافي ولا يغطي المتطلبات اليومية لهؤلاء النساء.
وتؤكد بشرى عبدو، أنه في ظل الحديث عن مضامين مدونة الأسرة والدعوة من أجل أن يبقى بيت الزوجية في حوزة الأرملة، لكي تظل في حماية رفقة أطفالها من التشرد أو تلجأ للشارع، لا بد من إعادة النظر في القانون المتعلق بالمعاش، لأن ما تحصل عليه لا يلبي الحاجيات اليومية من مصاريف الأبناء، مطالبة بمنح الأرملة معاش زوجها بالكامل وليس نصفه، لأنه ضحى الكثير خلال عمله وهي أمواله التي راكمها، ومن الضروري أن تستفيد أسرته من تقاعده أو أجرته بشكل كامل ومطلق.
في مقابل الحديث عن مدونة الأسرة وترافع العديد من الجهات المختلفة عن حقوق المرأة وإنصافها أمام الرجل فيما يتعلق بالنفقة وحقوق الأبناء وغيرها، هناك صمت كبير من قبل هذه الهيئات المدنية والحقوقية حين يتعلق الأمر بحقوق الأرامل اللواتي يعشن خارج دائرة الاهتمام والإنصاف، سواء من قبل الحكومة أو الأحزاب والجمعيات، حيث يتضح هذا الظلم بعد قيام الحكومة بإقبار صندوق التكافل الاجتماعي المخصص للنساء الأرامل والمطلقات، والذي كان يقوم بدور كبير في توفير حوالي 1200 درهم لكل امرأة أرملة حتى تتمكن من توفير بعض المتطلبات والحاجيات الأساسية المعيشية، لكن حكومة أخنوش ترى أن كل شيء جاءت به الحكومات السابقة يجب التخلص منه وتغييره، حيث تم تقليص هذا الدعم الشهري إلى 500 درهم في إطار الدعم الاجتماعي ضمن الحماية الاجتماعية رغم أنه تعويض هزيل لا يكفي لتوفير قفة أسبوع.
وقد كشفت المندوبية السامية للتخطيط، أن نسبة الأسر التي تعيلها نساء في المغرب وصلت إلى 17 في المائة خلال عام 2022 من مجموع 8 ملايين و823 ألف أسرة، حيث أن ما يقارب مليونا ونصف المليون أسرة منها، تعيلها امرأة، مبرزا أن الأرامل يتصدرن نسبة النساء ربات الأسر لعام 2022، حيث تصل إلى 54.6 %، تليهن المتزوجات بنسبة 23.7 % ثم المطلقات بـ 12.8 % والعازبات بـ 8.9 % .
وضعية النساء الأرامل سبق طرحها عدة مرات في البرلمان من قبل فرق المعارضة على الحكومة، قصد تحسين وضعيتهن وتمكينهن من معاش أزواجهن المتوفين كاملا بدون اقتطاعات.
فقد سبق أن وجه البرلماني حسن أومريبط، عن فريق التقدم والاشتراكية، سؤالا كتابيا إلى وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، قائلا أن الاستفادة من معاش التقاعد يعتبر المورد الوحيد بالنسبة لذوي حقوق المتقاعدين، كما أنه يشكل آلية من آليات توطيد الحماية الاجتماعية الشاملة، من خلال ضمان حد أدنى لشروط المعيشة الكريمة بالنسبة للمسنين.
واعتبر أومريبط، أن استفادة الزوجة من معاش الزوج المتوفى محددة في 50 في المائة من مبلغ معاش العجز أو الشيخوخة، الذي كان الزوج يحصل عليه أو كان بإمكانه المطالبة به عند تاريخ وفاته، مشيرا إلى أنه لا يصون بتاتا كرامة العديد من الأرامل وأبنائهن، بل يكرس الهشاشة ويرسخ الفقر، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.


تعليقات
0