جريدة البديل السياسي
أحبك” القاتلة (مستمدة من صميم الواقع).
بقلم عبد القادر بوراص أبو إسحاق
بعد أن حقق حلمه بتسوية وضعيته القانونية وحصوله على أوراق الإقامة، ولم يعد مطاردا من حرس مكافحة الهجرة غير الشرعية، عاد إلى بلدته التعيسة المندسة وسط الجبال، تطوقها غابات عشوائية كالأصفاد، وقد ادخر مبلغا مهما من المال اكتسبه بالعمل لساعات طوال من النهار بدون أن يصرح به، بعد أن نال رضى مشغله “موريس” صاحب ضيعة الخضر المترامية الأطراف، حيث كان يتقن مهامه في مجال الفلاحة التي تمرس عليها حين كان يساعد والده في زراعة بعض الخضروات الموسمية بحقله الضيق المساحة، والتي يتم تسويقها بالسوق الأسبوعي المحلي. كدس ما عثر عليه من أواني منزلية وملابس وأحذية مستعملة شبه جديدة وضعها أصحابها رهن إشارة من يرغب فيها من المحتاجين بالمجان، كما ملأ كيسا بلاستيكيا صغيرا بالحلوى والمكسرات وقنينات عطور رخيصة هدية لأفراد أسرته الذين لم يستعملوا يوما عطرا باستثناء رائحة البخور التي تنبعث من المواقد كلما حلت ليلة القدر.
دخل البلدة ظهر يوم صيفي اشتدت فيه الحرارة، فوجدها خالية كأنها غير مأهولة، أبواب الدكاكين والمقاهي مسدودة والأزقة المؤدية إلى عين الماء مهجورة على غير عادتها، حتى المشردون والدواب الذين كانوا يملؤون أرصفة الطريق الرئيسية عند مدخل القرية لم يعد لهم أثر، فتعجب عيسى من هذا الأمر واعتبره نذير شؤم لقدومه، خاصة وأنه كان يريد أن يراه شباب القرية وهو يقود سيارته التي اشتراها عن رب عمله بثمن زهيد وغير طلاءها حتى تبدو جديدة.
فضل عدم استعمال منبه السيارة وهي تتوقف بفناء المنزل الترابي المحاط بنبات السدر اليابس وفي نيته مفاجأة أفراد أسرته إلا أن الكلاب فضحته في تنبيهم بعد أن تعالى نباحها الذي كسر سكون القرية وصمتها الموحش كالمقابر. وكانت والدته أول من استقبلته وهي تلعن الكلاب وتهش عليها بعمود المكنسة المكنسر في محاولة إبعادها، وتبعها زوجها وبقية من في البيت مرحبين بقدوم ضيفهم غير المنتظر، وتملكت الجميع فرحة عارمة ترجمتها دموع محتشمة تجمعت بعيون أخواته العوانس الأربعة دون أن تسيل على الخدود. وانبعث في البيت نشاط غير مألوف وحركة كان قد شلها قيظ الشمس الحارق، وأسرعت الأم رغم بلوغها من الكبر عتيا بوضع الحطب بالموقد التقليدي وإشعال النار وهي تتصبب عرقا، فيما قام الأب بذبح ديكه السمين وطلب من ابنته الصغرى المدللة بالإسراع في إعداد الطعام قبل أن يتحلق الجميع حول سعيد السعيد بلا حدود بهم.

أخذت درجة الحرارة في الانخفاض قبيل مغيب الشمس، فغادر عيسى المنزل في زهو وخيلاء مرتديا حلته الشبابية الجديدة، وامتطى سيارته وقد أخذ في عبور شارع القرية الرئيسي ذهابا وإيابا إلى أن ظهرت فتاة أنيقة رفقة والدتها المحافظة المدثرة ب “حايك” حال لونه، إنهما ينحدران من قبيلة غير قبيلته، قبيلة تغضب لأتفه الأسباب وتعتبر المرأة عورة لا يمكن لغريب الاقتراب منها. كانت الفتاة في مقتبل العمر تمشي في حياء، فخطفت فؤاده حين رفعت رأسها نحوه وابتسمت له، وسبقها بسيارته إلى رأس الدرب وتوقف، ثم أخذ قطعة من الورق وكتب عليها بحروف مزركشة بارزة: “أحبك” مع رقم هاتفه، وحين اقتربت منه رمى بالورقة أرضا فالتقطتها دون أن تدري بأن أخاها المعطي خلفها، فلحق بها وانتزع منها الورقة عنوة وقرأ مضمونها، قبل أن يشرع في تعنيفها أمام الملإ غير عابئ بتوسلاتها واستعطافها.
لم يغمض للمعطي جفن طوال الليل. ظل يفكر كيف سمح هذا المهاجر لنفسه إهانته وإذلاله أمام أفراد قبيلته وهم الذين لا يرضون بالذل والهوان منذ أن استوطنوا هاته المنطقة، وشعر بنبضات قلبه تتضاعف حتى كاد يفارق صدره، واكتوى بنار الحقد والكراهية اتجاه هذا الوافد الغريب الذي نغص عليه صفو حياته الروتينية رغم شظف العيش، وأعمى الانتقام بصره وبصيرته، ولم يشف غليله إلا بعد أن اعترض سبيله بالقرب من ينبوع الماء وطعنه بسكين حادة على مستوى القلب، ولم تكفه طعنة واحدة بل استمر في عملية الطعن وهو يهذي بكلام غير مفهوم إلى أن تيقن بموته.


تعليقات
0