الشناقة بالمغرب

الشناقة… الحلقة الخفية التي تُنهك معيشة المغاربة إعداد: بدر شاشا أصبح الغلاء في المغرب واقعًا يوميًا يعيشه المواطن البسيط في كل تفاصيل حياته، من لقمة العيش إلى أبسط الحاجيات. وحين يبحث الناس عن السبب، تتعدد التفسيرات: ارتفاع الأسعار عالميًا، الجفاف، الأزمات الدولية… لكن هناك سببًا داخليًا خطيرًا، صامتًا أحيانًا، واضحًا في أثره، وهو ظاهرة “الشناقة” التي تسللت إلى معظم القطاعات وأصبحت أحد أهم أسباب ارتفاع كلفة المعيشة. الشناقة ليسوا مجرد أفراد، بل سلسلة كاملة من الوسطاء. من شخص إلى شخص، ومن يد إلى يد، تمر السلعة عشرات المرات، وفي كل مرة يُضاف هامش ربح جديد، دون أي قيمة حقيقية تُقدَّم. وفي النهاية، تصل السلعة إلى المواطن منهكة بالسعر، مثقلة بالجشع، بعيدة كل البعد عن ثمنها الحقيقي. في الأسواق، في الخضر والفواكه، في السمك، في اللحوم، في العقار، في النقل، بل حتى في بعض الخدمات، نجد نفس السيناريو يتكرر. المنتج الأول يبيع بسعر معقول، لكن ما إن تدخل السلعة دوّامة الشناقة، حتى يبدأ التضخيم غير المبرر. لا إنتاج إضافي، لا جودة أفضل، لا مخاطرة حقيقية… فقط استغلال، ومضاربة، ورفع للأسعار على حساب المواطن. المشكل الأكبر أن هذه الظاهرة لم تعد استثناءً، بل أصبحت قاعدة. المواطن يرى بأم عينيه كيف تُباع بعض السلع في مصدرها بثمن، ثم تصل إليه بأضعاف مضاعفة. والنتيجة؟ دخل ضعيف، مصاريف مرتفعة، وضغط يومي يُرهق الأسرة المغربية ويُفقدها الإحساس بالاستقرار. الشناقة لا يضربون جيب المواطن فقط، بل يضربون العدالة الاجتماعية. فهم يخلقون فجوة كبيرة بين من ينتج ومن يستهلك، ويُفرغون السوق من توازنه الطبيعي. والأسوأ من ذلك، أنهم يزرعون الإحباط، ويُشعرون المواطن بالعجز، وكأن الغلاء قدر لا مفرّ منه، بينما هو في كثير من الأحيان صناعة بشرية خالصة. ولا يمكن إنكار أن ضعف المراقبة، وتعدد الوسطاء غير القانونيين، وغياب تنظيم صارم للأسواق، كلها عوامل ساهمت في استفحال هذه الظاهرة. فحين يغيب الردع، يتحول الجشع إلى “مهنة”، ويصبح استغلال الحاجة أمرًا عاديًا، بل ومبررًا عند البعض. المواطن المغربي لا يطلب المستحيل. لا يطلب أسعارًا خيالية في الانخفاض، بل يطلب العدل. يطلب أن تصل إليه السلعة بثمنها المنطقي، وأن لا يكون هو الحلقة الأضعف التي يدفع ثمن كل التجاوزات. يطلب سوقًا نظيفًا، شفافًا، تُحترم فيه كرامة الإنسان قبل منطق الربح. إن محاربة الشناقة ليست مسؤولية جهة واحدة فقط، بل مسؤولية مشتركة: دولة تراقب وتُحاسب بصرامة قوانين تُطبَّق لا تُكتب فقط ووعي مجتمعي يرفض التطبيع مع الاستغلال فالسكوت عن الشناقة هو مشاركة غير مباشرة في استمرار الغلاء. يبقى السؤال مؤلمًا وبسيطًا في آنٍ واحد: إلى متى سيبقى المواطن يدفع ثمن الجشع؟ وإلى متى ستظل السلسلة تمتد من شخص إلى شخص… حتى تنكسر على ظهر المواطن؟ الجواب ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إرادة حقيقية، لأن كرامة العيش ليست امتيازًا، بل حقًا مشروعًا لكل مغربي.