جريدة البديل السياسي |البديل الوطني

من ملحمة الحسن الثاني إلى رؤية محمد السادس.. 51 سنة من المسيرة الخضراء ومنعطف جديد في قضية الصحراء المغربية

WhatsApp-Image-2026-11-06-at-11.53.04-750×430

جريدة البديل السياسي 

يخلد الشعب المغربي، اليوم الجمعة 6 نونبر 2026، الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء المظفرة، التي شكلت واحدة من أبرز المحطات في تاريخ المملكة الحديث، بعدما نجح الملك الراحل الحسن الثاني في تعبئة 350 ألف متطوع ومتطوعة، في مسيرة سلمية نحو الصحراء المغربية سنة 1975، في حدث جسد التعبئة الشعبية حول قضية الوحدة الترابية، وارتبط بمسار استكمال الاستقلال الوطني.

وتحل ذكرى هذه السنة في سياق وطني ودبلوماسي استثنائي، يتزامن مع مستجدات متسارعة عرفها ملف الصحراء المغربية خلال الأسابيع الأخيرة، خصوصا على مستوى مجلس الأمن الدولي، ومع القرارات والتوجيهات الملكية التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة في تدبير هذا الملف، بعد عقود من وجود بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «مينورسو».

وتكتسي هذه الذكرى أهمية خاصة بالنظر إلى تزامنها مع أول احتفال بعيد الوحدة، الذي أقره الملك محمد السادس في أعقاب التطورات الأممية المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، بما جعل مناسبة السادس من نونبر هذه السنة تأتي في ظل انتقال النقاش حول قضية الصحراء المغربية إلى مرحلة جديدة من الرهانات السياسية والدبلوماسية والتنموية.

فالمسيرة الخضراء التي انطلقت في السادس من نونبر 1975، بمشاركة 350 ألف مغربي ومغربية، لم تكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل شكلت محطة مفصلية في الذاكرة الوطنية، بعدما استجاب المتطوعون لنداء الملك الراحل الحسن الثاني، حاملين الأعلام الوطنية والمصاحف، في مسيرة سلمية نحو الأقاليم الصحراوية التي كانت خاضعة للإدارة الإسبانية آنذاك.

ومنذ ذلك التاريخ، ظلت المسيرة الخضراء حاضرة في الوجدان المغربي باعتبارها رمزا للتعبئة الوطنية والتلاحم بين العرش والشعب، ومحطة مرتبطة بمسار الوحدة الترابية، الذي استمر بعد ذلك عبر محطات تاريخية وسياسية ودبلوماسية متعاقبة.

غير أن الذكرى الحادية والخمسين تأتي هذه المرة في ظل تحولات لافتة، بعدما شهد مجلس الأمن الدولي، يوم 30 أكتوبر الماضي، تطورات غير مسبوقة بشأن مستقبل بعثة «مينورسو»، إثر فشل تمرير مشروع القرار الأمريكي الذي كان يقترح تمديد ولايتها، بسبب استخدام روسيا حق النقض، مقابل عدم حصول المشروع الروسي البديل على الأصوات اللازمة لاعتماده، لينتهي تفويض البعثة في 31 أكتوبر دون تجديده.

وقد اعتبرت الرباط هذا التطور محطة مهمة في مسار القضية الوطنية، فيما أثار انتهاء ولاية البعثة تساؤلات بشأن مستقبل آليات مراقبة وقف إطلاق النار والوضع الأمني بالمنطقة، في ظل استمرار الخلاف بين المغرب وجبهة البوليساريو حول الحل السياسي النهائي للنزاع.

وفي أعقاب هذه التطورات، جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر ليعلن عن تحول في المقاربة المغربية، من منطق تدبير الوضع القائم إلى العمل على تغيير المحددات التي ظلت تؤطر هذا الملف لعقود، مع التشديد على مواصلة الالتزام بوقف إطلاق النار، واحترام السيادة والوحدة الترابية للمملكة، ومواصلة المسار الدبلوماسي على المستويين الثنائي والإقليمي.

ولم تقف التحركات الملكية عند حدود الإعلان عن هذا التوجه، إذ ترأس جلالة الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 4 نونبر، جلسة عمل بالقصر الملكي بالرباط، خصصت لتتبع المرحلة المقبلة عقب انتهاء مهام بعثة «مينورسو»، بحضور رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ومستشار الملك فؤاد عالي الهمة، ووزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، والفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية.

وخلال هذا الاجتماع، أكد الملك على ضرورة التقيد الصارم بأولويات صيانة الوحدة الترابية للمملكة والأمن الوطني وطمأنينة المواطنين، ولاسيما سكان الأقاليم الجنوبية، وأصدر توجيهاته السامية من أجل التنفيذ الحازم واليقظ لهذه الأولويات، كل حسب مجال اختصاصه.

كما شدد على مواصلة المشروع التنموي بالأقاليم الجنوبية والأوراش المهيكلة المرتبطة به، مع تتبع مختلف التطورات التي تعرفها القضية الوطنية على جميع المستويات، وإحداث آلية لتنسيق ومواكبة عملية تصفية وانسحاب بعثة «مينورسو»، تحت إشراف وزارة الداخلية، بما يضمن تنفيذ هذه العملية في إطار من المسؤولية والتعاون مع الأمم المتحدة.

وأكد البلاغ الملكي، في المقابل، استمرار التزام المغرب بوقف إطلاق النار، واحترام التزاماته الدولية، مع التشبث بمواصلة المسار الدبلوماسي في ضوء التطورات التي عرفتها القضية الوطنية والدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

وتبرز أهمية هذه التوجيهات الملكية في كونها لا تقتصر على تدبير مرحلة ما بعد «مينورسو»، بل تؤسس لربط التحول الدبلوماسي والمؤسساتي بمسار تعزيز الحضور المغربي بالأقاليم الجنوبية، من خلال مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية والاجتماعية، وتقوية جاذبية المنطقة باعتبارها بوابة استراتيجية للمملكة نحو عمقها الإفريقي.

وفي هذا السياق، تبرز الأوراش الكبرى التي أطلقها المغرب خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، ومشاريع الموانئ والطرق والطاقات المتجددة، فضلا عن المبادرات الملكية الرامية إلى تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي، وتمكين دول الساحل من الولوج إليه.

وتتقاطع هذه الدينامية مع الرهان على جعل الأقاليم الجنوبية فضاءً للتنمية والاستثمار والتبادل الاقتصادي، بما يربط بين الدفاع عن الوحدة الترابية وتحسين ظروف عيش الساكنة وتوسيع فرص الشغل وتعزيز الخدمات العمومية.

وبين استحضار ملحمة 1975 واستشراف رهانات المرحلة المقبلة، تبدو الذكرى الـ51 للمسيرة الخضراء مناسبة لاستحضار مسار تاريخي امتد لأكثر من خمسة عقود، لكنه يدخل اليوم منعطفا جديدا عنوانه مواصلة التحرك الدبلوماسي، وتدبير مرحلة ما بعد «مينورسو»، وتعزيز التنمية بالأقاليم الجنوبية، في ظل توجه ملكي يربط بين صيانة الوحدة الترابية وترسيخ الاستقرار ومواصلة البناء.

وهكذا، لا تستحضر المملكة في ذكرى المسيرة الخضراء فقط حدثا صنعه 350 ألف متطوع قبل 51 سنة، وإنما تستحضر أيضا ما راكمته من محطات وتطورات، وما تفرضه المرحلة الراهنة من تحديات سياسية ودبلوماسية وتنموية، في أفق مواصلة مسار الوحدة الترابية على أساس الثوابت الوطنية والاختيارات الاستراتيجية للمملكة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي