جريدة البديل السياسي – بقلم: أحمد يعقوبي – آيت عميرة.
يشهد موضوع الأراضي السلالية بكل من جماعتي آيت عميرة وسيدي بيبي نقاشا متزايدًا في الآونة الأخيرة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك بعد مرور 78 سنة على صدور التحديد الإداري رقم 290 د سنة 1948، الذي صنّف أراضي بلاد الجماعة.بآيت عميرة ضمن الأراضي السلالية.
وفي خضم هذا الجدل، يبرز من الضروري استحضار المعطيات التاريخية والقانونية التي تؤطر هذا الملف، بهدف الإسهام في نقاش هادئ ومستنير. تشير المعطيات التاريخية إلى أن هذه الأراضي كانت، لقرون طويلة، ملكًا خاصًا للسكان المحليين، إلى أن طرأت تحولات مفصلية غيّرت وضعها القانوني. فقد أقدم بعض السكان، خلال فترات سابقة، على تفويت مساحات واسعة من هذه الأراضي بعقود عدلية لفائدة أطراف من خارج المنطقة، من بينهم مستثمرون وأجانب، خاصة من مدينتي الصويرة ومناطق أخرى، مستغلين الوضعية الاقتصادية والاجتماعية للسكان آنذاك.
وقد شملت هذه التفويتات مجالات جغرافية واسعة، امتدت من مناطق تكاط وسيدي الطوال ودرايد وابن كمود، وصولًا إلى السوالم، وشرقًا إلى الرجيله. وتشير مصادر تاريخية، من بينها كتاب “ذهب سوس” المؤلف سنة 1615، إلى الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية التي كانت تحظى بها هذه المنطقة، الممتدة من خليج أكادير إلى خليج ماسة، وهو ما جعلها محط اهتمام متزايد من قبل مستثمرين أجانب.
ومع بداية عشرينيات القرن الماضي، شرع بعض هؤلاء المشترين في محاولة تثبيت حدود العقارات التي اقتنوها، غير أن تدخل السلطة المحلية، مدعومة بأعيان المنطقة، حال دون ذلك، حيث تم إبلاغ السلطات الفرنسية آنذاك بكون هذه الأراضي تابعة لبلاد الجماعة، ما أدى إلى توقيف تلك الإجراءات. وفي سنة 1948، انعقد اجتماع رسمي بدائرة إنزكان، التي كانت تمثل مركز السلطة آنذاك، بحضور عدد من أعيان المنطقة، من بينهم مبارك بالعربي، وإيزيكي إبراهيم، وأحمد وعلي، وسي أحمد، ووالد عبد الله الطالب، وآخرون. وقد أقر المجتمعون بكون هذه الأراضي جماعية وغير قابلة للتفويت، وتم تحرير محضر رسمي باللغتين العربية والفرنسية، مع تحديد المجال الترابي بعلامات حدودية مرقمة تمتد من الساحل الأطلسي إلى الرجيله، مرورًا بمركز آيت عميرة وصولًا إلى السوالم والعزيب.
وقد تم احترام المساطر القانونية الجاري بها العمل، من خلال فتح باب التعرضات والإعلان عن التحديد الإداري، وهو ما تؤكده تعرضات ساكنة تدارت وإنشادن والرجايلة، ما يدحض فرضية تمرير القرار في سرية تامة. لاحقًا، عمد المشترون إلى تحفيظ العقارات التي اقتنوها، ورفعوا دعاوى قضائية ضد الدولة المغربية للمطالبة بحقوقهم، وهي القضايا التي استمرت لعقود عبر مختلف درجات التقاضي، إلى أن حُسم فيها نهائيًا سنة 2002. وقد تدخلت الدولة، في هذا السياق، معتبرة هذه الأراضي من ضمن الأملاك المسترجعة من المعمرين، ليصدر قرار محكمة النقض بإرجاعها إلى ملك الدولة.
وفي خطوة تروم الحفاظ على السلم الاجتماعي وصون حقوق الساكنة المحلية، قامت وزارة الداخلية باقتناء هذه الأراضي بثمن رمزي، لضمان استمرار استغلالها من طرف السكان، والحد من أي نزاعات محتملة.
وبين من يرى أن هذه الأراضي ليست سلالية، ومن يعتبر العكس، يبقى السؤال الجوهري مطروحًا: أي الخيارين أكثر إنصافًا للمصلحة العامة—أن تبقى هذه الأراضي في إطار جماعي يستفيد منه السكان المحليون، أم أن تعود إلى ملكيات فردية قد تؤول إلى أطراف خارجية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تستوجب قراءة متأنية للتاريخ، واستحضارًا لمختلف الأبعاد القانونية والاجتماعية، بما يضمن التوازن بين الحقوق المكتسبة والحفاظ على الاستقرار المجتمعي



تعليقات
0