جريدة البديل السياسي |روبورتاج و تحقيق

عشاء الميت هل هي عادة تثقل كاهل الأسر المغربية، أم كرم ضيافة في وقت الشدة

zerdantikhabat_302455648

جريدة البديل السياسي 

لعلها كرة الثلج تنتقل إلى المناطق المغربية، أو صفارة بداية، ذلك الموقف الصادر عن ساكنة بولمان، وبالضبط جماعة المرس برفضهم  ما يسميه المغاربة “العشا ” وذلك لما فيه من تكليف وإحراج  لأهل الميت بتحضير الطعام لما يفوق ل 200  فرد من الحضور  بين الجيران والأهل والمقربين.
وأعاد هذا الرفض الحديث عن  أصل هذه العادة، وهل هي شرعية  ولماذا نقوم بها؟
اعتبرت مجموعة من منصات التواصل أن هذه العادة سيئة، وليس لها تأصيل ديني، وتقاسمت هذه المنصات عبارة ” كيف تأكل طعاما قد طبخ بالدموع؟
ويرى مجموعة من الأئمة أن هذه العادة منهي عنها وغير مقبولة اجتماعيا، لكن رغم ذلك،  فالساكنة تقوم بها، بل من لم يقم بها يصنف في طبقة أقل مرتبة، بل و ينعت بالأصابع  تحت مقولة “ماداروش ليه لعشا ” وحسب العديد من الفقهاء أن الأصل في هذه المسألة، المنع، لما ثبت عن جرير بن عبد الله البجلي ـرضي الله عنه أنه قال : كنا نعد الاجتماع لأهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة، رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وهناك من ربط المنع أو الجواز بالحالة المادية لأهل الميت على اعتبار أنه إذا ترك يتامى وأرامل  هم أولى بما سيتم صرفه على المأدبة، لأن هذا يدخل في إطار أكل مال اليتيم.
وتختلف هذه العادة في المغرب بين الشمال والجنوب والوسط ففي بعض المناطق في الشمال لا يقيمون هذه الوضيمة ويكتفون بتوزيع الماء والقهوة على المواسين، وفي مناطق في الجنوب يقيمون هذه الوضيمة بشكل مبالغ فيه، حيث يدبحون الجمال وينصبون الخيام ويضعون الموائد ويستقبلون الزوار لأيام وأسابيع، خاصة للذين يأتون من مناطق بعيدة والتي هي في الغالب تشكل القبائل والعشائر المجاورة.
وفي المنطقة الوسطى يقومون بمأدبة  تسمى الوضيمة أو” لعشا” بالدارجة وغالبا تكون بخيمتين واحدة للرجال وأخرى للنساء، ويتراوح الأكل المقدم بين لحم وبرقوق أو دجاج محمر مع السفة وبيض مسلوق مع خبز حلو أو  كسكس” بالتفايا ” مع الشاي.
ويتم تصنيف كرم أهل الميت كلما كانت المائدة دسمة ومملوءة، ويتم ربط هذا العشاء بسيرة الميت ووزنه في المجتمع وصلاحه.
وهناك من يلجأ إلى الاقتراض للمحافظة على ماء وجه العائلة وسيرة الميت مما يزيد من الضغط المالي على العائلة وأهل الميت، وبالتالي تصبح العائلة أمام مصيبتين، مصيبة الوفاة ومصيبة التكاليف المالية والاقتراض.
وبالرجوع إلى الأحاديث نجد أن كل هذه العادات لا تنسجم مع السنة النبوية كما جاء في رواية الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المسألة تخفيفا على أمته، حينما ﺑﻠﻐﻪ ﻣﻮﺕ ﺍﺑﻦ ﻋﻤﻪ ﺟﻌﻔﺮ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻲ إحدى الغزوات حيث قال:”ﺍﺻْﻨَﻌُﻮﺍ ﻟِﺂﻝِ ﺟَﻌْﻔَﺮٍ ﻃَﻌَﺎﻣﺎ، ﻓَﻘَﺪْ ﺃَﺗَﺎﻫُﻢْ ﻣَﺎ ﻳَﺸْﻐَﻠُﻬُﻢ”.
فالسنة هي إطعام أهل الميت، لا العكس وبالتالي لتقويم هذه العادة السيئة يلزم الكثير من نشر الوعي حتى يتأصل المنع في النفوس ويصبح وعي جماعيا آنذاك ستختفي هذه العادة لوحدها كما حدث في فترة كورونا.
فالمجتمع قَبل عدم وجود” عشاء الميت”  ولم يشكل الأمر أدنى إحراج للعائلات على أساس أن المنع أتى من السلطة  وليس لعدم القدرة.
وهناك من اعتبر أن الطعام يكون للقادمين من بعيد والمسافرين  ففي مثل هذه الحالات التعامل السليم  هو تأدية واجب العزاء والمواساة والانصراف.
وفي بعض مناطق المغرب يستمر واجب العزاء في بيت الميت لأربعين يوما، ثم تقام وليمة أخرى تسمى “الربعينية” ويتم فيها إطعام  من لازموا  أهل الميت في الحزن وأيضا استقبال من يجددون مواساتهم في ليلة الأربعين التي تعود فيها روح الميت للمكان، وهناك ايضا من يقيمون هذه الوليمة بشكل سنوي يتم استحضار فيها روح الفقيد تسمى “الصدقة “.
وبين مؤيد ورافض لهذه العادة تبقى هذه المناسبة تشكل احراجا ماديا وإجتماعيا للأسر المغربية خاصة في ظل الغلاء والتضخم و بروز مصاريف جانبية كالتمدرس الخصوصي والتطبيب الخاص وارتفاع وتيرة الإنفاق في المناسبات الأخرى من رمضان و شراء  أضحية العيد مما يجعل أغلب أسر الطبقة الوسطى لا تصل إلى الادخار للقيام بهذه العادات الاجتماعية.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي