جريدة البديل السياسي -بقلم محمد عزيز.
لما أضحت الحقوق تُسلب وتهضم، والظلم يستشري ويُكتَم، أضحى النضال أمرا يقبُح فيه الصبر الجميل، انتفض الرجال وأفاضوا قِداحَ الرأي، ليُخرجوا النقابة الوطنية من رحم المعاناة، ككيان دثَّروه بلباس الجماهيرية، والديمقراطية والاستقلالية عن الاتحاد المغربي للشغل سنة 1966. رجال سلُّوا يقين العزم ليكثِّفوا النضال والإضراب الشهير ليومي 10و 11 أبريل 1979 منتفضين في ريح من غضب.
ساهمت هذه الأحداث في محاكمات تعسفية، واعتقالات في صفوف مجموعة من المناضلين الشرفاء.
في تلك اللحظات العصيبة غُمَّ على ما تبقى من مناضلين وجه الرأي في آلاف الموقوفين والمطرودين، فقرروا الأوبة إلى الروح النضالية من جديد، رغم بأس الضربة وشدتها على الجسم النقابي.
توالت الأحداث وانثال على هرم النقابة الوطنية للتعليم رجال شحذوا غِرار الرأي، نذكر منهم أحمد الضمضومي، ومحمد صبري، وعبد الرحمان شناف، وعبد العزيز إيوي، والصادق الرغيوي الذي ما زال يحمل المشعل، ويصيب شواكل السداد في محطات كثيرة.
سارت النقابة الوطنية بجميع فروعها بوجدة، سير اليراع على صفحات التاريخ كجزء لا يتجزأ من هذه المحطات النضالية، إلى أن استحكم الشقاق بين الإخوة الأشقاء، فأضحوا أعداء من لحم ودم، حتى نأى الخُلف بينهم نأي الفيافي.
فتصدعت عصاهم للأسف، وتشعبت بهم الطرق، وتفرقت وحدتهم. لكنهم خرجوا من تجربة التفرقة المليئة بالمعاناة، بعد أن أبعدوا عنهم مظانَّ الندم، ونأوا بأنفسهم عن مواقف اللوم. كنت أجالس الجميع فألفيت في هؤلاء أنقيا الجيب، وأولئك صادقي الضمير.
ترى الأستاذ “محمد عبيد” صادق الطوية، خدوما يشِفُّ ظاهره عن باطنه. والمرحوم “عز الدين شفيقي” لا يُحدِّجُ الناسَ بسوء، والصديق “مصطفى صفصاف” شافاه الله دائب السعي، نافذ الهمة، لا يجف لِبْدُهُ. والصديق العزيز “فراجي التعلاتي” محمود الصنيع، يضرب عن كل من ألحق به الإساءة صفحا جميلا. أما المرحوم “الحاج درفوف” كان رحب الأناة.
والمرحوم “محمد العلوي” كان عفوا صفوحا، واسع الحلم. أما “أحمد طاهري” يرتفق في المنافع برِجلٍ سريعة، حتى لقبه الأصدقاء ب “الحصان الخدوم”. أما الدكتور “إسماعيل فيلالي” المناضل الأريب الذي صفوته بودّي المُصَفَّقِ، إذا وضع يده على الجراح يستغِثُّها ويداويها.
ولا ننسى الأستاذ “محمد البوعبدلاوي” الذي جعل بينه وبين المناضلين حبل الأخوة والمُصافاة.
أما الإخوة الأستاذ “حسن بنعيني” و الأستاذ “حسان بنعاشور” والأستاذ “أحمد صالحي” والمهندس “مولاي الطيب الرمضاني” و الدكتور “سعيد حموتي” والأستاذ “جمال علا” والأستاذ “عبد الله خروب” والأستاذ “محمد لبريني”. والأستاذ “خليل غول” والأستاذ “عبد القادر معزوز”… وأستسميحكم عذرا إن نسيت بعض الأسماء.
هذه الأسماء التي سبق ذكرها كانت ومازالت نافذةَ الهمَّة. لا يخامرها في النضال ريبٌ. ناطت آمالهم بالشغيلة التعليمية، ووصل بهم الرجاء لتحقيق مكتسبات نساء ورجال التعليم. اتسموا بالنزاهة والحفاظ على أمانة المسؤولية. اِنهار جُرف شبابهم في النقابة الوطنية للتعليم، ووقفوا على ثنية الصعاب، حتى بدت فيهم أقاحيَّ الشيب النضالي.
حملوا على أكتافهم أمانة ثقيلة، والتزموا بالصدق والشفافية في نقل مستجدات المفاوضات والاتفاقيات المبرمة مع الأطراف الإدارية المحاورة
. لم يبق هؤلاء المناضلون فاتري الطرف أمام تسلط الإدارة، ولا يعتريهم كلال من طول الإلحاح في الظفر بالحقوق، ولا يلين جنبهم لامتيازات. وأقول للجيل الذي يحمل المشعل الآن من الشباب كالمناضلين المجترحين “طالب وسفيان رحو ومراد بكوش” ورفاقهم في درب النضال أن يتجلدوا على مضض التضحيات والمتاعب، وأن يعضوا على نواجذ الصبر ليحصلوا على الحقوق المشروعة، متسلحين بالقدرة على مواجهة التجاوزات دون إذعانٍ واتِّضاعٍ، وينتزعوا الحق من تحت أنقاض الدُّجى… نضالكم يستوجب منا انحناءة تقدير واحترام. دام أريج حضوركم يعبق بروح الهمة والإقدام.


تعليقات
0