جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

هولندا.. قزم جغرافي وعملاق اقتصادي …بقلم : محمد الحدوشي .

téléchargement (32)

هولندا.. قزم جغرافي وعملاق اقتصادي .

بقلم : محمد الحدوشي .

عندما نتحدث عن هولندا، يخطر ببال الكثيرين صورة الحقول الخضراء الممتدة، طواحين الهواء، وزهور الخزامى (التوليب) التي أصبحت أيقونة عالمية.

لكن ما يغيب عن أذهان الكثيرين أن هذه الدولة الصغيرة جغرافيًا هي في الحقيقة قوة اقتصادية وعلمية وصناعية وبنية تحتية تضاهي أكبر الاقتصادات في العالم.

هولندا، أو الأراضي المنخفضة ، لا تتجاوز مساحتها 41,500 كيلومتر مربع، أي ما يعادل مساحة إقليم صغير في شمال إفريقيا.

عدد سكانها لا يتجاوز 18 مليون نسمة، ومع ذلك، اقتصادها يصل إلى حوالي 1.2 تريليون دولار، وهو رقم يفوق مجموع اقتصادات دول المغرب العربي الخمسة (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا،) التي تمتد على أكثر من 7 ملايين كيلومتر مربع وتضم مئات الملايين من السكان.

تكمن قوة هولندا في جميع الميادين وسر هذا التفوق الهولندي يكمن في أن البلد لم يركن إلى حجمه أو موارده المحدودة، بل استثمر في الإنسان، في المعرفة، وفي الإدارة الناجحة.

  • في الاقتصاد: الناتج المحلي الإجمالي للفرد يتجاوز 53 ألف دولار سنويًا، وهو من بين الأعلى في العالم. البطالة لا تتعدى 3.3%، وقطاع الخدمات يمثل 73% من الاقتصاد، بينما الصناعة تمثل 24%، والزراعة 2% فقط، رغم أن هولندا ثاني أكبر مصدر للمنتجات الزراعية عالميًا.

. • في الصناعة: البلد يحتضن شركات عملاقة مثل “فيليبس” في الإلكترونيات، ومصانع بناء السفن في روتردام، وصناعة السيارات والمعدات التكنولوجية، إلى جانب الصناعات الكيماوية ومصافي النفط. • في الفلاحة: رغم ضيق المساحة، تستعمل أحدث تقنيات الزراعة والري في البيوت الزجاجية العملاقة، وتصدر الخضروات والزهور والأجبان إلى مختلف دول العالم. •

في التعليم والبحث العلمي: جامعاتها تحتل مراتب متقدمة عالميًا، ومراكز أبحاثها تعمل على تطوير التكنولوجيا، الطاقة النظيفة، والزراعة المستدامة. • في البنية التحتية: ميناء روتردام من الأكبر في العالم، شبكة طرق وسكك حديدية متطورة، ومطارات حديثة تربط البلاد بجميع القارات. وفي المقابل…

واقع مؤلم في المغرب العربي فعندما ننظر إلى دول المغرب العربي، نجد الصورة معكوسة تمامًا.

هذه الدول تمتلك كل ما تحلم به أي دولة: • مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة. • ثروات باطنية هائلة من النفط والغاز والمعادن. • شواطئ طويلة تطل على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. •

طاقات بشرية شابة. لكن، رغم هذه النعم، لا تزال المنطقة غارقة في التخلف من مختلف النواحي: • اقتصادات هشة تعتمد في معظمها على تصدير المواد الخام (نفط، غاز، فوسفات…) دون تصنيع، مما يجعلها رهينة لتقلبات الأسواق العالمية. •

صناعة متأخرة لا ترقى إلى مستوى المنافسة الدولية، وغالبًا ما تُحاصر بالبيروقراطية وضعف الابتكار. • فلاحة تقليدية تعاني من ضعف البنية التحتية المائية، واعتماد مفرط على الأمطار بدل تقنيات الري الحديثة. • تعليم متدهور لا يواكب متطلبات العصر، يخرج أفواجًا من العاطلين بدل أن يكوّن كفاءات قادرة على الابتكار والمنافسة. • بنية تحتية متعثرة، فحتى المشاريع الكبرى غالبًا ما تفتقد للتخطيط السليم أو الجودة المطلوبة، وتبقى حبيسة الشعارات الدعائية.

. الفارق في العقلية والإدارة الفرق الجوهري بين هولندا ودول المغرب العربي لا يكمن في المساحة أو الموارد، بل في طريقة التفكير والإدارة. في هولندا، هناك نظام يحاسب المسؤول، مؤسسات شفافة، قوانين صارمة، واستثمار ذكي في كل يورو.

بينما في المغرب العربي، يلتهم الفساد والمحسوبية وسوء التدبير كل فرص التقدم، وتضيع المليارات في مشاريع فاشلة أو غير مكتملة.

هولندا بلا نفط، بلا غاز، وبأرض أغلبها تحت مستوى البحر، استطاعت أن تصبح قوة اقتصادية وصناعية وفلاحية وعلمية، بينما دول المغرب العربي، رغم الثروات والموقع الاستراتيجي، ما زالت أسيرة التخلف السياسي والاقتصادي، وتحكمها ذهنية تضع الشعارات فوق الفعل، والمظاهر فوق الجوهر.

إن قصة هولندا ليست مجرد نجاح اقتصادي، بل هي درس قاسٍ لنا التقدم لا يُقاس بالمساحة ولا بالموارد، بل بالإنسان والعلم والنظام.

وإذا لم تغيّر دولنا عقلية التسيير وتضع مصلحة الشعوب فوق الحسابات الضيقة، فسنبقى دائمًا نتفرج على الأقزام وهم يسبقون العمالقة

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي