جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

عندما تنحرف المدرسة عن رسالتها: من فضاء لبناء الإنسان إلى ورشة لإنتاج الكراهية قراءة نقدية في تسييس التربية وتلويث براءة الطفولة.

494859622_1252578429878844_6834798051786520264_n

جريدة البديل السياسي -بقلم: حسن كرياط.

متى فقدت المدرسة بوصلتها الأخلاقية؟
ومتى تحوّل فضاء التربية، الذي وُجد لصناعة الإنسان الحرّ والمتوازن، إلى أداة لغرس العنصرية وتطبيع العداء داخل عقول الأطفال؟
إن طرح هذا السؤال اليوم لم يعد ترفًا فكريًا، بل أصبح ضرورة أخلاقية ملحّة، خاصة حين نشهد انزلاقات خطيرة تُستغل فيها المدرسة، لا كرافعة للوعي، بل كمنصة للتحريض وبث الكراهية. فلا يمكن لمنظومة تعليمية عاقلة، داخل دولة تحترم ذاتها ومستقبل أجيالها، أن تسمح بتحويل الفصل الدراسي إلى ساحة لتبرير الإقصاء أو شيطنة الآخر.
فالتعليم، في جوهره، ليس مجرد نقل آلي للمعرفة أو حشو للذاكرة بالمعلومات، بل هو فعل تنشئة شاملة على القيم الإنسانية الكونية: الاحترام، التعايش، وقبول الاختلاف بوصفه مصدر غنى لا سبب صراع.

المشهد الذي تابعَه الرأي العام مؤخرًا في إحدى مدارس الجارة الشرقية، حيث جرى توظيف الفضاء التربوي بشكل فجّ للتحريض والتمييز، لا يمكن اعتباره حادثًا معزولًا أو زلّة فردية. إنه انزلاق خطير يمسّ جوهر مهنة التدريس نفسها، ويكشف عن خلل عميق حين يتحول التحريض إلى خطاب عادي داخل الفصل، ويصدر عن شخص يُفترض فيه أن يكون حارسًا للقيم، لا ناقلًا للأحقاد.
فالوزرة البيضاء، مهما كان رمزها، لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية تلقائية. فالقيمة الحقيقية للمربي لا تُقاس بالمظهر ولا بالصفة الوظيفية، بل بالرسالة التي يحملها. وحين تُلوَّث هذه الرسالة بخطاب إقصائي قائم على الكراهية، فإن الضرر لا يصيب فردًا بعينه، بل يطال صورة المدرسة وسمعة قطاع التعليم برمّته، ويقوّض دوره المجتمعي والتنموي.

وللمقارنة الموضوعية، فإن حدوث واقعة مماثلة داخل المنظومة التعليمية المغربية – وهو احتمال مستبعد بل شبه مستحيل – كان سيقابل بتحرك مؤسساتي واضح وصارم، تشارك فيه الوزارة الوصية، وهيئات التفتيش، والنقابات، وعموم نساء ورجال التعليم، في إطار المسؤولية والردع والتصحيح. لأن التعليم في المغرب يُنظر إليه كأمن مجتمعي واستثمار استراتيجي بعيد المدى، لا كأداة لتصفية الحسابات الإيديولوجية أو السياسية.

من هنا، تبرز مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل: حماية الأطفال من كل خطاب عنصري بئيس، ومن كل لغة مقيتة تُفسد الوجدان قبل العقل. فالأطفال لا يولدون كارهين، بل يُعلَّمون الكراهية. ومن يزرع السمّ في العقول الغضّة، لا يحصد سوى مجتمعات مأزومة، متوترة، وعاجزة عن بناء مستقبل سليم.

لقد اختار المغرب، عن وعي سياسي وثقافي، الارتقاء بلغته الاجتماعية وبثقافته الإنسانية، وجعل من التعدد والتنوع والاختلاف خيارًا دستوريًا صريحًا. فقد أكدت ديباجة الدستور أن التنوع مصدر غنى لا مدخل صراع، وقطعت الطريق أمام كل أشكال الانحطاط الأخلاقي والفكري التي تهدد السلم المجتمعي.

وفي هذا الفضاء المتوسطي العريق، الذي كان ولا يزال بحرًا للحضارات ومهدًا لتلاقح الثقافات، يقدّم المغرب نموذجًا في التعايش والانفتاح، حيث تظل المدرسة جسرًا نحو المستقبل، لا خندقًا للكراهية، ومختبرًا لبناء الإنسان، لا مصنعًا لإنتاج الأحقاد.
وفي النهاية، تظل حقيقة التاريخ ثابتة لا تتغير:
من يزرع الشر في النفوس، لا بد أن يحصده يومًا خرابًا

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي