جريدة البديل السياسي |أسر ومحاكم

20 سنة سجنا لطبيب اعتدى جنسيا على مريضاته

115_316359676

جريدة البديل السياسي 

وجهت له تهمة الاتجار بالبشر وضحاياه ينتمين إلى فئات هشة

اهتزت الأوساط الطبية والقضائية بفاس على وقع واحدة من أبرز قضايا الاعتداءات الجنسية المرتبطة بالمجال الصحي، بعدما أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بفاس حكما ثقيلا في حق الطبيب النفسي المتابع في ملف استغلال مريضات نفسيا داخل عيادته.

وشكلت قضية الطبيب النفسي، المعروف إعلاميا بـ(سعد)، أحد أكثر الملفات القضائية إثارة للجدل خلال الفترة الأخيرة بفاس، بعدما تحولت عيادته من فضاء يفترض أن يقدم العلاج والدعم النفسي إلى محور اتهامات ثقيلة باستغلال مريضات ينتمين إلى فئات هشة.

واستأثر الملف باهتمام واسع لدى الرأي العام، بالنظر إلى طبيعة التهم وخطورة الأفعال المنسوبة إلى المتهم الرئيسي، إضافة إلى تعدد المتابعين وتشعب خيوط القضية.

ويأتي هذا الملف في سياق نقاش متزايد حول أخلاقيات الممارسة الطبية، وحدود المسؤولية المهنية في التعامل مع المرضى النفسيين الذين يفترض أنهم في وضعية ضعف تستوجب حماية مضاعفة من كل أشكال الاستغلال أو الانحراف.

 

أول خيوط القضية

تفجرت القضية عقب توصل المصالح الأمنية بشكاية وضعتها زوجة الطبيب، بعد أن راودتها شكوك حول سلوك زوجها داخل المنزل والعيادة. ووفق المعطيات التي كشفتها الأبحاث، انتبهت الزوجة إلى بعثرة بعض أغراضها الشخصية بعد عودتها من سفر، ما دفعها إلى التحقق من الأمر قبل أن تكتشف، بحسب الشكاية، وجود ممارسات وصفتها بالخطيرة داخل بيت الزوجية.

هذه المعطيات شكلت نقطة الانطلاق لتحرك أمني وقضائي سريع، حيث باشرت عناصر الفرقة الجهوية للشرطة القضائية تحرياتها الأولية التي مهدت لفتح تحقيق معمق في الموضوع، سرعان ما كشف عن شبهات أخطر مما كان متوقعا في البداية.

التحقيقات الأمنية، التي أشرفت عليها النيابة العامة المختصة، قادت إلى إيقاف الطبيب وابن عمه في مرحلة أولى، قبل أن تتوسع دائرة البحث لتشمل أسماء أخرى مرتبطة بالملف في شقه المتفرع.

وتم إيداع المتهمين سجن بوركايز في انتظار استكمال البحث التفصيلي الذي باشره قاضي التحقيق بالغرفة الثانية بمحكمة الاستئناف بفاس. وتميزت هذه المرحلة بجمع إفادات الضحايا المفترضات والاستماع إلى المصرحين، فضلا عن إجراء خبرات تقنية على عدد من المحجوزات.

وأظهرت نتائج البحث الأولي وجود معطيات اعتبرتها الجهات القضائية كافية لإحالة الملف على غرفة الجنايات الابتدائية لمباشرة المحاكمة.

اتجار بالبشر وتهم ثقيلة

وفق صك الاتهام، تابع الوكيل العام للملك الطبيب بجناية الاتجار بالبشر، وهي من أخطر التهم في القانون الجنائي، إلى جانب جنح تتعلق بتسهيل استعمال المخدرات وحيازتها واستهلاك المخدرات القوية، خاصة الهيروين.

أما ابن عمه فوجهت إليه تهمة المشاركة في الاتجار بالبشر إضافة إلى الجنح المرتبطة بالمخدرات. ويعكس تكييف الأفعال بهذا الشكل تقدير النيابة العامة لخطورة الوقائع المنسوبة إلى المتهمين، خصوصا في ظل الاشتباه في استهداف نساء يعانين اضطرابات نفسية ويخضعن أصلا للعلاج داخل العيادة، وهو ما اعتبر ظرفا مشددا في مسار المتابعة.

وأثناء عرض الملف على غرفة الجنايات الابتدائية، واجهت المحكمة صعوبات أولية بسبب تخلف عدد من الضحايا والشهود عن الحضور في الجلسات الأولى، ما دفع الهيئة القضائية إلى اتخاذ قرار بإعادة استدعائهم.

وتم تحديد جلسة لاحقة للاستماع إلى ثلاث ضحايا وعدد مماثل من المصرحين، مع منح مهلة إضافية للمتهمين لتعيين دفاعهما والاطلاع على وثائق الملف. واعتبر متابعون أن هذه الخطوة تعكس حرص المحكمة على ضمان شروط المحاكمة العادلة واستجماع كل عناصر الإثبات قبل الدخول في مناقشة الجوهر، بالنظر إلى حساسية القضية وتعقيد وقائعها.

مخدرات واستغلال ونساء في وضعية هشاشة

الأبحاث المنجزة من طرف الشرطة القضائية رسمت، بحسب المعطيات المتوفرة، صورة مفصلة عن أسلوب الاستدراج الذي كان يعتمد عليه الطبيب. فقد أظهرت التحريات أنه كان يستغل صفته متخصصا في علاج الاضطرابات النفسية ومحاربة الإدمان لكسب ثقة المريضات، قبل أن يعمل تدريجيا على توسيع دائرة التأثير عليهن.

وتشير المعطيات إلى أنه كان يوهم بعض الضحايا بقدرته على مساعدتهن في تجاوز أزمات نفسية حادة، مستفيدا من معرفته الدقيقة بنقاط ضعفهن، وهو ما اعتبرته جهة الاتهام شكلا من أشكال السيطرة والاستغلال الممنهج لأشخاص في وضعية هشاشة.

وتعززت الشبهات، وفق الملف، بوجود مؤشرات على استعمال المخدرات داخل بعض الجلسات العلاجية المشبوهة، وهو ما فتح مسارا إضافيا في التحقيق يتعلق بجرائم المخدرات.

وتشتبه الأبحاث في أن بعض المريضات جرى تشجيعهن أو تسهيل حصولهن على مواد مخدرة قوية، ما من شأنه تعميق حالة التبعية النفسية وإضعاف القدرة على المقاومة أو التبليغ. ورغم أن هذه المعطيات ظلت محل نقاش خلال المحاكمة، فإنها شكلت أحد الأعمدة الأساسية في بناء المتابعة الجنائية، خاصة مع اقترانها بتهم الاتجار بالبشر التي تتطلب إثبات عناصر الاستغلال والسيطرة.

 

علاج بدون شهادة وأنشطة مشبوهة

خلال جلسات المحاكمة، برز اسم أستاذ جامعي بكلية الآداب ظهر المهراز، كان يشتغل داخل العيادة في إطار ما وصف بالعلاج السلوكي والمعرفي. وخلال استنطاقه، حاول المعني بالأمر في البداية التخفيف من طبيعة دوره، قبل أن يقر بممارسته جلسات علاج نفسي داخل العيادة مقابل 400 درهم للجلسة الواحدة، يحتفظ بنصفها ويسلم النصف الآخر لإدارة العيادة. غير أن اعترافه بعدم توفره على شهادة رسمية تخول له ممارسة العلاج النفسي أثار تساؤلات قوية داخل المحكمة حول قانونية الأنشطة التي كانت تتم داخل المؤسسة الطبية.

الأستاذ الجامعي نفى، أمام هيئة الحكم، أي استغلال جنسي للمريضات، رغم ورود تصريحات لإحدى المصرحات تتهمه بالتركيز خلال جلساتها على مواضيع ذات طابع جنسي لا علاقة لها بسبب توجهها للعلاج. وشكل هذا التضارب في الأقوال أحد محاور المناقشة داخل المحكمة، التي سعت إلى تمحيص مدى تطابق التصريحات مع باقي عناصر الملف.

ويعكس هذا الجانب من القضية مدى تشعبها وتداخل الأدوار داخل العيادة، الأمر الذي صعب مهمة التمييز بين الممارسة العلاجية المشروعة والسلوكيات التي قد تشكل تجاوزا أو خرقا للقانون.

 

من طبيب معروف إلى متهم خطير

في المرحلة الختامية من المحاكمة، منح رئيس غرفة الجنايات الكلمة الأخيرة للطبيب المتهم، الذي اختار أسلوب الدفاع المباشر عن نفسه، نافيا جميع التهم الموجهة إليه.

واعتبر المتهم أنه تعرض لظلم كبير، متهما بعض وسائل الإعلام بالمساهمة في تشويه سمعته المهنية، مشددا على أن صورته تحولت لدى الرأي العام من طبيب نفسي معروف إلى متهم بجرائم خطيرة، معتبرا أن ما راج حول القضية ألحق به أضرارا معنوية جسيمة. وتمسك المتهم ببراءته، واصفا الاتهامات بأنها «ملفقة»، وفق ما جاء في تصريحاته أمام المحكمة.

ورغم دفوعات المتهم، اعتبرت غرفة الجنايات الابتدائية أن عناصر الإدانة ثابتة في حقه، لتقرر بعد المداولة مؤاخذته من أجل المنسوب إليه، وقضت المحكمة في حكمها الابتدائي بإدانة الطبيب بالسجن النافذ لمدة 20 سنة، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 200 ألف درهم.

ووصفت مصادر قضائية الحكم بأنه يعكس خطورة الأفعال المرتكبة وطبيعة الضحايا المفترضات، كما أصدرت المحكمة أحكاما في حق باقي المتابعين كل حسب المنسوب إليه، في انتظار ما ستؤول إليه المسطرة في مرحلتها الاستئنافية.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي