جريدة البديل السياسي
لقاء الفكر والمسرح
لهيمنة الناعمة في قراءة الأستاذ عبد المجيد طعام
الحركة المسرحية بعيون الفنان عبد الرزاق بنعيسى
يوم الجمعة 27 فبراير 2025، على الساعة الثامنة والنصف مساء، احتضن نادي رجال التعليم بمدينة وجدة لقاء فكريا ثقافيا نظمته جمعية الشباب المبدعين الثقافية والاجتماعية، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي. وقد نشط هذا اللقاء كل من الفنان عبد الرزاق بنعيسى والأستاذ عبد المجيد طعام، في حوار تفاعلي جمع بين الذاكرة المسرحية وأسئلة الثقافة والهيمنة.
استهلّ الفنان عبد الرزاق بنعيسى مداخلته بوضع أرضية للنقاش حول واقع المسرح بمدينة وجدة، مستحضرا ماضيه المشرق ورهانات حاضره الملتبس. وتحدث عن تجربته المسرحية الغنية التي تميزت بالالتزام والعمق، وبصراع دائم مع الثقافة المهيمنة وأنماط الاستهلاك الثقافي السائد. كما استحضر أسماء وازنة ساهمت في إشعاع المسرح الوجدي، وفي مقدمتهم بلعيد أبو يوسف، الذي حضر هذا اللقاء، إلى جانب رواد آخرين تركوا بصمتهم في مسار الحركة المسرحية بالمدينة.
وانتقل بنعيسى إلى الحديث عن المسرح باعتباره أداة لتعميق الفكر النقدي، وفضاء لطرح الأسئلة الوجودية الكبرى ومساءلة الواقع. غير أنه عبر بحرقة واضحة عن التحولات التي شهدتها المدينة، حين تخلت تدريجياً عن نخبتها المسرحية وبنيتها السينمائية ونخبها الثقافية. مدينة كانت تعج بالقاعات السينمائية وتزدهر بالعروض الفنية، أضحت اليوم بلا قاعات عرض، وإن كانت تحتضن مهرجانات سينمائية، في مفارقة يصعب استيعابها. فالتخلي عن المسرح والسينما، في نظره، لم يكن مجرد فقدان لفضاءات ثقافية، بل كان تخليا عن أجيال من الشباب، تركت فريسة لمنصات التواصل الاجتماعي، تعبث بها الخوارزميات وتوجهها وفق منطق السوق والمصالح الكبرى.
من جانبه، واصل الأستاذ عبد المجيد طعام النقاش من حيث انتهى الفنان عبد الرزاق، مشيرا إلى أن هذا الأخير وثق تاريخ الحركة المسرحية بوجدة في سيرته الذاتية «سيرة التحدي»، وبذلك كرس موقعه كمثقف عضوي مقاوم، يسعى إلى صون الذاكرة الثقافية ومواجهة النسيان.
وانطلاقاً من منطق المقاومة، انفتح النقاش على مفهوم الثقافة بوصفها أداة للهيمنة الناعمة، وعلى سبل تحويلها من أداة إخضاع إلى فعل تحرري. وفي هذا السياق، استحضر الأستاذ عبد المجيد طعام عددا من المفكرين الذين اشتغلوا على سوسيولوجيا الهيمنة، وفي مقدمتهم المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي الذي بلور مفهوم الهيمنة الثقافية، والسوسيولوجي بيير بورديو الذي حلل آليات العنف الرمزي وإعادة الإنتاج والهابيتوس. كما توقف عند إسهامات مدرسة فرانكفورت، وروادها الذين انتقدوا الحداثة الرأسمالية وصناعة الثقافة، ودورها في إنتاج إنسان منزوع الحس النقدي، مستلب داخل منظومة استهلاكية شاملة.
وقد تأطر الحديث حول الهيمنة الناعمة بمرجعية فلسفية وفكرية عميقة، لامست قضايا راهنة من قبيل صناعة الثقافة، وتحويل الفرد إلى مستهلك، والمعنى إلى سلعة، والمثقف العضوي إلى مؤثر خاضع لمنطق السوق. إنها تحولات أسهمت في تسليع التجربة الإنسانية، وتحويل الحياة من تجربة تعاش إلى تجربة تشاهد، وفي صعود التفاهة كمنظومة تفرض إيقاعها على المجال العام وعلى طبيعة الانسان الذي تحول الى كائن ذي البعد الواحد ، فاقد للهوية والمعني تحت ظل الحداثة السائلة .
وفي ختام مداخلته، طرح الأستاذ عبد المجيد طعام جملة من البدائل الممكنة لتجاوز هذا التسطيح الذي يطال مختلف مناحي الحياة. وفي مقدمة هذه البدائل، القراءة بوصفها فعلا سياسيا مقاوما يحد من سلطة الصورة ويعيد الاعتبار للعقل النقدي، ثم المدرسة باعتبارها فضاء للمقاومة عبر ترسيخ ثقافة السؤال والحوار. كما استحضر تجربة المربي البرازيلي باولو فريري، وخاصة مفهوم تعليم المقهورين، باعتباره نموذجا تربويا تحرريا يؤسس لوعي نقدي قادر على مساءلة الواقع وتغييره.
وفي ختام اللقاء، فسح المجال للحاضرين لإغناء المداخلتين بمداخلات وأسئلة عمقت النقاش ووسعت أفقه، في أجواء اتسمت بالحوار والتفاعل، مؤكدة أن الفكر والمسرح يظلان رافعتين أساسيتين لإحياء الوعي ومقاومة أشكال الهيمنة المختلفة.
ذ. عبد المجيد طعام



تعليقات
0