جريدة البديل السياسي |البديل الثقافي

“فلسفة الإقناع: صراع الأجيال بين قيود الماضي وحرية الحاضر”…بقلم عبد العزيز الخطابي

641385945_25885052887800472_2340720697516207971_n
جريدة البديل السياسي 
“فلسفة الإقناع: صراع الأجيال بين قيود الماضي وحرية الحاضر”
بقلم عبد العزيز الخطابي
في زمنٍ تتصارع فيه الأفكار، وتتضارب الآراء، نجد أنفسنا متورطين في حوار مع أبنائنا، وكأننا نناقش مع كائنات فضائية قادمة من كوكب آخر. جيل جديد يعدّ نفسه فلاسفة الإقناع، ولا يخجل من تلميع عباراته الداكنة حتى تبدو كلوحات فنية على جدران عصرٍ جديد! في خضم هذا المشهد، يُبدي الآباء عجزًا عن إدراك ما يحدث، لينتهي بهم الحال إلى الوقوف أمام جيلٍ يتأرجح بين الحقائق والرؤى الخاصة.
أن تجلس مع ابنك المراهق، وتشرع في التحذير من مخاطر التدخين والمخدرات، هو بمثابة محاولة إقناع سمكة بالعودة إلى الماء. الشاب الجالس أمامك ذو الإطلالة العصرية، يرد عليك بكل ثقة، كأنه وزير في الحكومة، موجهاً إليك نصائح حول حياتك الخاصة وأخطائك التاريخية. إنه يتحدث عن حقبة جديدة، حيث تتلاشى الأخلاق ويصبح التفاخر بأسلوب الحياة المثير أمرًا اعتياديًا.
ما هو هذا العالم الجديد الذي يتحدث عنه؟ نحن نعيش في زمن تتعقد فيه الأمور بسرعة تفوق قدرة أي أب أو أم على اللحاق بها. فهم التوجهات الاجتماعية والرقمية أصبح كمن يحاول فك شيفرة سرية كتبت بلغة قديمة مفقودة. يتبادل الأبناء بأريحية المعلومات، بينما يبدو الآباء وكأنهم متسولون للمعرفة في صحراء جرداء.
وفي خضم هذا الصراع، تبرز مشاهد مرحة: الفتيات يختفين، مثل سحابة صيف، وعندما تسألهن عن وجهتهن، تلتف حولك بمهارة، كنجمات في عرض بهلواني، وليستعد عقلك لاستيعاب حزمة من المبررات التي تحتاج إلى قاموس خاص لفك شفرتها. تقول لك بوضوح: “لقد تغير الزمن!”، وكأن ولادتها تمت في مؤتمر قمة للخوض في الأمور الحياتية.
لكن ماذا عن واقعنا؟ بينما يركض أولادنا خلف اﻷفكار الجديدة، يبدو أن السياسيين، هؤلاء “الأبناء الروحيون” للعصور القديمة، ما زالوا عالقين في فوضى التبريرات والمصالح الشخصية. ولنتأمل ملامحهم وهم يتحدثون عن المستقبل كأنهم يحكون قصة خيالية. لا عجب أن يصبح الشباب كائنات متمردة أمام آراء تعود إلى عقود مضت.
هذا التناقض صار يتجلى يومًا بعد يوم. فبينما يرغب الآباء في تقديم مشورة تنبع من تجربتهم، يصر الأبناء على تجاوز الأصول والتقاليد، كأنهم في سباق لتحقيق رقم قياسي في اللامبالاة. وإذا حاولت أن تناديهم للعودة إلى الماضي، ستجد الجواب الجاهز: “هذا ليس زمنك يا أبانا، إنك لم ترى العالم كما نراه الآن!”
لا بدَّ لنا من سؤال: أين الأجيال القادرة على بناء وطنٍ يتجاوز هذه الفوضى الفكرية؟ الجواب يظل عالقًا في زحمة النقاشات، فكلما علت الأصوات، انخفض مستوى الحوار. وكما يبدو، فإن المستقبل المقبل يعتمد على قدرة الجيل الجديد على التعامل مع واقعهم بطريقة أكثر نضجًا، بدلاً من الالتفاف حول فكرهم الخاص. ولذلك، يبقى السؤال قائمًا: هل سينجح الشبان في تحدي الفلسفة القديمة، أم أن العصور ستكرر نفسها في وجوه جديدة؟
تبقى الأمور مفتوحة، وعلينا أن نكون على أمل أن الجميع سيتعلم من تجارب الماضي في مسعى لبناء غدٍ أفضل، بعيدًا عن سطوة فلسفة الإقناع المبالغ فيها، التي حولت الحوار إلى معارك كلامية باردة.
لا تزال الأمواج تتلاطم في بحر الأفكار المتضاربة، حيث يتصارع جيل الآباء مع جيل الأبناء في حلبة الحجج العقلانية، التي تحولت إلى ساحة للقتال اللفظي. على الرغم من القلق الذي يحيط بقلوب الأمهات والآباء، يشعر الشباب أنهم يمتلكون السلطة الكاملة، وكأنهم محامون يدافعون عن قضايا حياتهم الخاصة. لكن، هل هذا ما نريده حقًا؟ هل نريد لجيلٍ كامل أن ينمو وهو يتبع نسقًا جريحًا من الفلسفة الفردية الخاصة؟
في خضم تراجيديا الحوار، لا بدّ من التساؤل: إلى أي مدى سيستمر هذا التوجه؟ هل سيحطم جيل اليوم قيود الماضي، أم سيعيد تاريخنا نفسه، ولكن بصياغة جديدة، حيث تتكرر الأخطاء بصيغ أكثر بهجة؟ يبدو أن هناك حاجة ماسة لإعادة البناء، ليس فقط على مستوى الفرد، ولكن على مستوى المجتمع ككل.
إحدى أبرز المشاكل تكمن في غياب الخيط الواصل بين الأجيال. فقد أصبح الأولاد يرون الآباء كأشخاص يجب تجنب الاستماع إليهم، وكأنهم أبطال في فيلم خيالي يحاولون إنقاذ بطولة لا تهمهم. ومن جهة أخرى، يختار الآباء دور المتفرجين في حين أن الأمور تتعقد أكثر. إذاً، على من تقع مسؤولية بناء جسر التفاهم المفقود؟ هل يجب أن نعيد النظر في طريقة نقاشنا؟
ربما تحتاج المجتمعات إلى استراتيجيات أكثر ابتكارًا للتفاعل. ربما يجب علينا كآباء تعلم طريقة الاستماع بدلاً من إلقاء المحاضرات. فإذا كانت هناك روايات تدور حول الآباء كونهم “العين الساهرة لمستقبل الأبناء”، فإنه يتعين على الجميع أن يلعبوا دورهم كشركاء في الحوار وليس مجرد مشرفين.
وبينما نبذل جهودنا لتحسين نوعية النقاش، يجب أن ندرك أن القيم لا تُبنى في الفراق، بل تتشكل داخل حلقات الحوار المشتركة. نحتاج إلى أماكن آمنة، حيث يُمكن لأفكار الأجيال الجديدة أن تتلاقى مع بوادر القيم التقليدية، وبحيث يتمكن الجميع من التعبير عن مشاعرهم وآرائهم في جو من الاحترام المتبادل.
وفي خضم هذه التحديات، قد نجد بعض الأمل في شبابنا. فعلى الرغم من الفوضى الظاهرة، تحدوهم رغبة حقيقية في التغيير، وهذا تجسيد للروح الإنسانية الفطرية التي تسعى دوماً نحو الأفضل. إنهم شغوفون بالتكنولوجيا، وهم دوماً يبحثون عن سبل التغيير، لكن مع ذلك، بحاجة ماسة لفهم لماذا يجب أن يتعلموا من الماضي، ولذا ليس كل شيء يجب أن يكون موتًا للنهج القديم.
لا تفقد الآمال، قد نجد أن الطريق إلى الجسر المتين بين الأجيال يكمن في فهم عميق، وفي القدرة على رؤية الأمور من زوايا متعددة؛ في النهاية، ربما تنجح فلسفة الإقناع جديدة تُبني على التعاون والانفتاح، وليس على الإقصاء والتحدي.
وهكذا، تبقي الأبواب مفتوحة للتواصل، ولعلها تمهد الطريق لمستقبلٍ يتعاون فيه الجميع، دون اللجوء إلى سلاح الكلمات كوسيلة للانتقاد، بل كوسيلة لبناء عالمٍ أفضل. يمكن أن تكون الأجيال القادمة هي العمود الفقري للأمة، شرط أن نعمل معًا، وكلٌ يأخذ نصيبه من الحكمة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي