جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

عاقبة الخيانة والغدر (قصة مستمدة من صلب الواقع)…بقلم عبد القادر بوراص أبو إسحاق

645586047_25914706428168451_3477264944719894608_n

جريدة البديل السياسي -بقلم عبد القادر بوراص أبو إسحاق

كان الواسيني في منتهى السعادة وهو يرى ابنته الوحيدة تزف لابن أخته في حفل كبير احتضنته إحدى قاعات الأفراح بطريق الحدود المغربية الجزائرية، بحضور حشد غفير من الأهل والأحباب والجيران، ولم يتمالك نفسه حيث فاضت عيناه بدموع الفرحة والسرور حين امتطت سعاد رفقة زوجها السيارة المزخرفة بكل أنواع الورود متجهين إلى الفندق الفاخر الذي حجزه والدها لهما على نفقته، وتفجرت خلفهما ينابيع من الزغاريد.

كان الواسيني يعيش وحيدا ببلاد الغربة بعد أن فقد زوجته وهي تضع ابنته الوحيدة، فسماها سعاد مثل أمها، وأودعها لدى جدتها بأرض الوطن للسهر على تربيتها، وعزف منذ ذلك الحدث المأساوي على الزواج، واعتزل الناس حيث لم يكن يتحدث مع أحد إلا لضرورة، فاتهمه الكثير بالجنون، ونصحه رب عمله بضرورة عرض حالته على طبيب نفسي، لكنه قابل نصيحته باللامبالاة والاستهزاء، وأقبل على العمل يجد فيه لذته، وحرم نفسه بكثير من ملذات الدنيا وعاش متقشفا، همه الوحيد جمع المال وتكديسه بالبنك حتى تضخم رصيده.

كان بخيلا للغاية إلا على ابنته سعاد التي خصص لجدتها أجرة شهرية مناسبة للقيام بشؤونها، كما كان يبعث لها بكل ما تحتاجه من ملابس وأحذية وهدايا مختلفة أخرى، وكانت أول فتاة في الحي تملك دراجة كهربائية.

سعاد ذات شبه كبير بوالدتها المتوفاة، كانت ممشوقة القوام، متحررة بلا حدود، ترتدي ملابس عصرية تكشف عن ساقيها العاريين، مولعة بالرياضة حيث انخرطت في نادي لممارسة فنون الحرب، تشارك شباب الحي في مباراة كرة القدم حتى لقبها بعضهم ب “سعاد التراس” (أي الرجل)، اشتهرت بالفكاهة والضحك فكانت لا تجد حرجا في تقديم مستملحات ونكت لا تخلو من كلام فاحش ونابي.

كان زوجها قصير القامة، مفتول العضلات، دائم العبوس، كثير الشكوى، يكبرها ببضعة أعوام، غادر مقاعد الدراسة مبكرا وأصبح بائعا متجولا، كانت كلما مرت به أهداها بعض الفواكه الموسمية. لم يفكر في يوم من الأيام أنها ستصبح شريكة حياته.

عاد الواسيني إلى مقر عمله بالخارج وهو في كامل السعادة، وشعر بارتياح كبير بعد أن اطمأن على مستقبل وحيدته، وأخذ يفكر بجدية في مستقبله هو الآخر بعد أن تقدم به السن، فقرر أن يشيد منزلا بمسقط رأسه يأويه عند الحاجة، فاستشار صهره في الموضوع، ولم يتأخر هذا الأخير طويلا حتى أخبره بوجود بقعة أرضية ذات موقع استراتيجي مهم صالحة للبناء، فأرسل له بوكالة لينوب عنه في جميع الإجراءات القانونية المتعلقة بعملية الشراء والبناء وغيرها من الأمور الأخرى مع المبالغ المالية الكافية، ووعده بالسكن رفقة ابنته بالمنزل إبان نهاية الأشغال.

التحق الواسيني بأرض الوطن ذات صيف اشتد قيظه، محملا بمختلف الهدايا لابنته ووليدها المنتظر بعد أن بشرته بحملها، وخص صهره بحقيبة ممتلئة عن آخرها بالملابس والأحذية الجديدة ردا لجميله في تشييد “قبر الحياة” الذي راقه كثيرا وهو يستطلع غرفه وجميع مرافقه الأخرى، وأمطر صهره وابنته بوابل من دعوات الخير الصادقة.

مر أسبوع من عطلته الصيفية، فاستدعى الواسيني صهره وابنته لتناول وجبة العشاء معه بأحد المطاعم المعروفة وسط المدينة احتفاء بالسكنى الجديدة، مطالبا إياه بإحضار كل وثائق الملكية لتسليمها إليه، فوقع إبراهيم في حيرة من أمره، واستنجد بزوجته التي كانت شريكته في كل ما خطط له ونفذه، وامتنعا عن الحضور بدعوى مرض مفاجئ ألم بسعاد واستدعى نقلها إلى المستشفى.

عاد الواسيني إلى البيت تراوده بعض الشكوك، فاكتشف بفعل تجربته وخبرته بأن ابنته تتظاهر بالمرض ليس إلا، فألح على إحضار الوثائق في الحال، وكانت خيبته بلا نهاية حين خاطبته ابنته المدللة قائلة:

– أي وثائق تتحدث عنها يا أبتي؟

فنظر إليها مستغربا ورد بصوت مبحوح:

– وثائق المنزل.. أليست داري؟

فدفع إبراهيم الباب بعنف ودخل غاضبا وقاطعه بصوت مدوي كالرعد:

– عن أي وثائق تتحدث يا عمي وعن أي منزل؟ إنه منزلي بشراكة مع ابنتك. وهذا ما تثبته كل الوثائق التي تطالب بها، وإن أردت التيقن بالحقيقة فما عليك إلا زيارة مصلحة المحافظة العقارية!

جلس الواسيني أرضا بعد إحساسه بدوار كاد أن يفقده وعيه، واسترخى قليلا قبل أن يقوم مغادرا البيت إلى وجهة مجهولة، وفي قلبه غصة حارقة، وأقام بفندق بضواحي المدينة، وربط علاقة صداقة متينة بصاحبه الذي يمتهن تهريب المخدرات والاتجار في البشر، وكان يرافقه من حين لآخر في عمليات الصيد البري، وتعلم منه كيفية استعمال البندقية والتسديد وإصابة الهدف. لم يكن يعرف صاحب الفندق الكثير عن حياة الواسيني الشخصية سوى أنه مهاجر وحيد يقضي بضعة أيام بأرض الوطن.

استغفل الواسيني صديقه بعد رجوعهما من خرجة صيد كانت الغنيمة خلالها وفيرة، وخبأ البندقية تحت معطفه الطويل وغادر السيارة مسرعا، وتوجه مباشرة نحو بيته المسروق، وطرق الباب بطريقة عادية حتى لا يثير انتباه أحد، وما أن فتحت ابنته حتى أطلق عليها رصاصة أسقطتها أرضا ثم حاصر صهره بإحدى الغرف بعد أن احتمى بداخلها وشرع في الصياح طالبا النجدة، لكن صراخه لم يدم إلا قليلا حيث تمكن المهاجر الغاضب الذي تعرض للنصب من أقرب الناس إليه بتكسير مزلاج الباب وتصويب أربع رصاصات متتالية إلى الشاب الذي وضع فيه كامل ثقته، فقابله بالخيانة والغدر.

 

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي