جريدة البديل السياسي |البديل الثقافي

دورة المجلس الوطني لجمعية الشعلة: حين يصبح تفعيل الدستور اختباراً حقيقياً لجدية الدولة والمجتمع المدني.

f0a3e7a6-3be9-431c-ab70-4bd86264c659

جريدة البديل السياسي – نورالدين عمار.

تنعقد دورة المجلس الوطني لجمعية الشعلة للتربية والثقافة أيام 6 و7 و8 فبراير 2026 بمدينة المحمدية، في لحظة وطنية دقيقة يتراجع فيها منسوب الثقة في قدرة الفعل الجمعوي على التأثير، ويتعاظم فيها الإحساس بأن المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمجتمع المدني ما تزال، في جزء كبير منها، حبيسة النصوص أكثر منها جزءاً من الممارسة السياسية والمؤسساتية الفعلية.

ويأتي اختيار شعار الدورة: «تفعيل المقتضيات الدستورية مدخل لتقوية الفعل الجمعوي» ليطرح، بجرأة ضمنية، سؤال المسؤولية: من يعرقل التفعيل؟ وأين تتوقف مسؤولية الدولة، وأين تبدأ مسؤولية الفاعلين الجمعويين أنفسهم؟ فبعد مرور سنوات على إقرار دستور 2011، الذي بشّر بمرحلة جديدة من الديمقراطية التشاركية، يبدو أن المسافة بين النص الدستوري والواقع العملي لم تتقلص بالشكل المأمول.

فآليات تقديم العرائض والملتمسات التشريعية ما تزال محدودة الأثر، والحوار العمومي غالباً ما يُختزل في صيغ شكلية، بينما تُفرغ الشراكة بين الدولة والجمعيات في كثير من الأحيان من بعدها التشاركي الحقيقي، لتتحول إلى علاقة تدبيرية أو تمويلية مشروطة، تضعف استقلالية الفعل المدني وتحد من قدرته على النقد والمساءلة. في هذا السياق، تكتسب دورة المجلس الوطني لجمعية الشعلة دلالة سياسية تتجاوز بعدها التنظيمي، إذ تطرح على الجمعية، وعلى النسيج الجمعوي عموماً، سؤال الجرأة في الانتقال من خطاب المطالبة بالتفعيل إلى ممارسة ضغط مدني منظم، قادر على مساءلة السياسات العمومية، وليس فقط مواكبتها أو تبريرها. فالدستور لم يمنح المجتمع المدني دور “الفاعل المساعد”، بل موقع الشريك الذي يملك حق الاقتراح والنقد والتتبع، وهو ما يقتضي استعداداً تنظيمياً وفكرياً لمواجهة منطق الإقصاء الناعم أو الاحتواء المؤسساتي.

غير أن النقد لا يمكن أن يُوجَّه إلى الدولة وحدها. فجزء من أعطاب الفعل الجمعوي مرتبط أيضاً بضعف الحكامة الداخلية، وبتردد بعض الجمعيات في تجديد نخبها وخطابها، أو في القطع مع منطق التدبير الروتيني والأنشطة الظرفية.

وهو ما يجعل من شعار هذه الدورة دعوة صريحة إلى مساءلة الذات الجمعوية، وإلى الاعتراف بأن الدفاع عن الديمقراطية التشاركية يمر أولاً عبر ممارستها داخل التنظيمات نفسها. وتطرح هذه الدورة، في عمقها، سؤالاً سياسياً مركزياً: هل يمتلك المجتمع المدني المغربي اليوم القدرة على لعب دور الوسيط النقدي بين الدولة والمجتمع، أم أنه ما يزال أسير منطق التكيّف مع السياسات القائمة؟

وهل تملك الجمعيات، ومنها جمعية الشعلة، الجرأة الكافية للانتقال من موقع الشريك التقني إلى موقع الفاعل المجتمعي المستقل، القادر على الدفاع عن قضايا التربية والثقافة باعتبارها قضايا سياسية بامتياز، وليست مجرد مجالات للتأطير أو التنشيط؟

ومن المرتقب أن تشكل أشغال المجلس الوطني فضاءً لاختبار هذه الأسئلة، عبر نقاشات قد تكون غير مريحة لكنها ضرورية، حول استقلالية القرار الجمعوي، وحدود الشراكة مع المؤسسات، وسبل تحويل الدستور من مرجعية رمزية إلى أداة ضغط وترافع.

فبدون هذا النفس النقدي، يظل الحديث عن تفعيل المقتضيات الدستورية مجرد إعادة إنتاج لخطاب رسمي فقد جزءاً من قدرته على الإقناع. إن تزامن هذه الدورة مع سياق وطني يتسم بتعقّد التحديات الاجتماعية وتآكل الوسائط التقليدية للتأطير، يجعل منها لحظة سياسية بامتياز، تختبر فيها جمعية الشعلة، ومعها جزء من الحركة الجمعوية، مدى استعدادها للانخراط في معركة ديمقراطية هادئة ولكن حاسمة:

معركة تفعيل الدستور خارج منطق التوافقات الهشة، وداخل منطق المشاركة النقدية والمساءلة المستمرة.

وبذلك، لا تكون دورة المجلس الوطني مجرد محطة تنظيمية، بل امتحاناً فعلياً لمدى استعداد الفعل الجمعوي للانتقال من منطق الوجود الرمزي إلى منطق التأثير الحقيقي، ومن خطاب الالتزام إلى ممارسة الجرأة السياسية المسؤولة.

 

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي