جريدة البديل السياسي
أثارت الفيضانات الأخيرة التي شهدتها عدة مناطق بالمغرب، خاصة بحوضي اللوكوس وسبو، جدلا حول أسبابها وحدود الاستعداد لتدبيرها. وبينما راجت مخاوف مرتبطة بفرضية انهيار بعض السدود، خاصة سد واد المخازن عقب إجلاء سكان من القصر الكبير، يستبعد الخبراء أي خطر من هذا القبيل بفضل التقنيات المتقدمة التي تتوفر عليها السدود المغربية.
ويربط المختصون حدة الفيضانات بتأخر إنجاز عدد من السدود المبرمجة، وبالظروف المناخية الاستثنائية الناتجة عن التغير المناخي والاحتباس الحراري، في وقت يتحمل فيه المغرب كلفة اختلالات بيئية عالمية ناجمة عن عدم التزام الدول الصناعية الكبرى بتعهداتها المناخية، ما يبرز الحاجة إلى تسريع الاستثمارات المائية وتعزيز مناعة البلاد في مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.
فرضية انهيار السد
وحول إجراءات السلطات بإجلاء عدد كبير من المواطن، خاصة في القصر الكبير، وارتباط ذلك بمخاطر انهيار سد واد المخازن، اعتبر المصطفى العيسات، خبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ، في تصريح لجريدة “مدار21″، أنه “في مثل هذه الوقائع المناخية الدولة تتعامل مع كل السيناريوهات بما فيها الأخطر، لأنها لا تريد أن تتكرر مآسي مماثلة لما حدث سابقا بمجموعة من المدن، ذلك أن روح المواطن المغربي غالية، ما دفع الدولة إلى التجند لكي لا يتم تسجيل أي ضحايا”.
ولفت في السياق ذاته إلى الدولة لجأت إلى اتخاذ إجراءات وقائية مثل إخلاء مناطق مهددة، ومتابعة دقيقة على مدار الساعة لوضعية السدود والأنهار من قبل فرق خبراء ومهندسي الدولة التابعين لمختلف الأجهزة المدنية والعسكرية والسلطات المحلية، التي تتجند لضمان حماية الأرواح والممتلكات.
واستبعد العيسات في هذا الصدد فرضية انهيار السد، لأن السدود التي يتوفر عليها المغرب منجزة بتقنيات متقدمة، تتيح التصريف التلقائي والمتحكم فيه، بما يشمل إزالة الطمي والأشجار والرواسب المتراكمة في قعر السد، مبرزا أن هذا هو الذي يستدعي إلى إفراغ جنبات الوديان، ذلك أن عملية الإفراغ تكون قوية، ما يستدعي التزام المواطنين بالابتعاد عن المناطق الخطرة قرب الوديان لتجنب المخاطر الناجمة عن الانجرافات أو الفيضانات.
تأخر تصريف حقينة السدود
وبخصوص عدم اللجوء إلى التصريف الاستباقي لمياه السدود استحضارات للتوقعات الجوية بعيدة المدى، وارتباط ذلك برغبة الجهات الوصية في توفير مخزون مائي احتياطي كبير، أفاد العيسات أن الجميع كان ينتظر هذه الأمطار ويراقب ملء السدود، وعندما بلغت نسبة متقدمة بفضل التساقطات الأخيرة، كان الرهان أن يتم رفع مخزون الموارد المائية لتوفير احتياطي للسنوات المقبلة.
واستدرك العيسات أن التوقعات لم تستحضر أن تكون التساقطات بهذه الغزارة في أوقات قصيرة، مبرزا أن “ارتفاع درجات الحرارة وتبخر كميات كبيرة من المياه، والتقاء هذه الكميات مع كتل هوائية باردة قادمة من أوروبا والقطب الشمالي، أدت إلى منخفضات جوية أفضت إلى أمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة، ما شكل عامل المفاجأة، بالإضافة إلى تأثير المد والجزر على عملية تصريف المياه”.
وأشار إلى أن تصريف مياه السدود يتطلب عوامل مناخية مهمة، إذ يجب أن يكون البحر في أدنى مستوياته وألا يتجاوز علو الأمواج معدل معين لضمان انسيابية المياه باتجاه البحر، إضافة إلى شرط ألا تكون الأمطار غزيرة لتحقيق التوازن بين الواردات المائية وتلك التي يجري تصريفها عبر الوديان، لتفادي الفيضانات على جنباتها، مبرزا أن التفريغ اليوم أصبح اضطراريا بعد تجاوز السدود حقينتها.
كلفة تأخر إنجاز السدود
واعتبر الخبير ذاته، في حديثه لجريدة “مدار21″، أن المغرب اليوم يجني نتائج تأخر إنجاز عدد كبير من السدود، عبر تعرض أحواض مائية ومناطق مهمة مجاورة للوديان الكبرى لفيضانات، مشددا على أن هذه اليوم دروس بليغة من أجل الاستعداد للتكيف مع التقلبات المناخية القاسية التي تعرفها المنطقة.
ولفت إلى أن هذه الفيضانات تندرج في إطار عوامل طبيعية أساسية يجب التعامل معها بالاعتماد على المعطيات العلمية الدقيقة، خاصة في سياق مناخي متغير ومتقلب ومتطرف، سبقته سنوات جفاف طويلة، والتي عادة ما تليها سنوات إمطار كثيفة.
وأورد الخبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ أنه تم معاينة مثل هذا الوضع في عدة دول أوروبية السنة الماضية، مثل فالنسيا وإيطاليا وجنوب فرنسا، التي عرفت فيضانات كبيرة، كما شهد المغرب في مناطق مثل طاطا فيضانات مماثلة، ما يعكس حجم التقلبات المناخية التي تواجهها المنطقة.
ولفت العيسات إلى أن هذا الواقع دفع المغرب إلى “تكييف سياساته المناخية بما يتوافق مع الوضع الجديد، من خلال البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب والسقي، الذي يركز على محورين رئيسيين، أبرزهما بناء السدود المرتبطة بالدورة المطرية الكثيفة”، مشيرا إلى أن موضوع تدبير الماء خصص له الملك محمد السادس خطابا شاملا خلال عيد العرش، أصدر خلاله تعليماته للحكومة بتسريع إنجاز السدود، خاصة في الشمال، التي تأخرت لسنوات، إذ تم برمجة أكثر من خمسين سدًا في المناطق الشمالية والوسطى والجنوبية منذ عام 2002، ولم يتم إنجاز سوى ستة أو سبعة سدود فقط حتى الآن.
وأبرز الخبير نفسه أنه “لو اكتملت هذه الاستراتيجية في وقتها، لربما لم تشهد المناطق المنخفضة نفس حجم الفيضانات الحالي، حيث أن السدود تعد عنصرًا أساسيًا في تصريف المياه الزائدة ومنعها من غمر الأراضي المنخفضة والمدن المجاورة للوديان”.
وذهب إلى أن هذا الوضع واستمرار غزارة الأمطار المتهاطلة أفضى إلى امتلاء حقينات عدد من السدود، ليتم اللجوء إلى تفريغ سدين مهمين، يتعلق الأمر بسد واد المخازن الذي أثر على حمولة واد اللوكوس التي تشهد عادة خلال هذه الفترة نسب ملء مرتفعة، بينما كان الأحرى أن يتم تصريفها في سدود تلية ومتوسطة وصغرى وفي الطرق السيارة المائية، والأمر نفسه بالنسبة إلى سد الوحدة الذي أدى تصريف أمطاره إلى رفع حمولة واد سبو مما أدى إلى غمر عدد من الأراضي المنخفضة، علما أن لدينا سوابق في منطقة الغرب التي شهدت فيضانات كبرى على مر سنوات.
ضريبة استهتار القوى العظمى
ويضيف الخبير ذاته أن أسباب الظروف المناخية الحالية معروفة، مضيفا أن المغرب يدفع ضريبة عدم التزام المنتظم الدولي والدول الكبرى باتفاقية باريس للمناخ، التي تنص على تخفيض الاحترار بنسبة 2 في المئة في حدود 2030، الأمر الذي تطلب التخلص من 50 في المئة من استخدام الوقود الأحفوري والتوجه إلى الطاقات النظيفة.
الأكثر من ذلك، يسترسل العيسات، فإن أكبر دولة مُلوِثة في العالم، والتي هي الولايات المتحدة الأمريكية، تنصلت من هذا الاتفاق، كما طالبت بالزيادة في إنتاج الوقود الأحفوري، مضيفا أنه اليوم لدينا خلل في التوازن داخل الغلاف الجوي ما يؤدي إلى اختلالات في التوازنات الإيكولوجية والهيدرومناخية يدفع ضريبتها الدول غير الملوِثة في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية، دون الاستفادة من التعويضات التي يكفلها صندوق المناخ الذي أُحدث من أجل تعويض هذه البلدان.
واعتبر أن ما يحدث في المغرب من فيضانات هو فوق طاقة البلاد، خاصة وأن المملكة خرجت للتو من سنوات متوالية من الجفاف ورصدت استثمارات لمشاريع تحلية اليوم، علما أن أكبر المناطق الفلاحية اليوم في المغرب تضرر منتوجها الفلاحي والحيواني، مفيدا أن هذا الأمر يسبب ضررا اقتصاديا وتنمويا، متسائلا: “من يعوض هذه الدول، في إطار العدالة المناخية التي التزمت بها قمم المناخ والاتفاقيات التي توقع عليها أزيد من 140 دولة؟”.
وأردف أن المغرب عليه اليوم أن يستخلص الدروس لأنه “لا يحك جلدك إلا ضفرك”، ويجب توفير الإمكانيات للصمود أمام هذه الظواهر الطبيعية، عبر تسريع بناء السدود لتوفير المياه وحماية المدن المجاورة ، وعدم التحجج بوجود أولويات أخرى أو أن هناك سنوات جفاف، مشيرا في هذا الصدد إلى أن إحداث سد فاصك هو الذي منع الفيضانات عن مدينة كلميم السنة الفارطة التي كان يمكن أن تشهد سيناريوهات خطيرة.


تعليقات
0