جريدة البديل السياسي
ذ.عبد السلام القيسي| الخميس 27 نونبر 2025.
على هامش تصريح وزير “المصاصة” الأخير، لا يسع المرء إلا أن يستحضر المقولة الشهيرة: “كُلُّ إِنَاءٍ بِمَا فِيهِ يَنْضَحُ”. فالوزارة التي تتباكى اليوم على المدرسة العمومية هي نفسها التي هجرتها، وقَزَّمَتْ مكانتها، وفتحت الأبواب مشرعة أمام ما تسميه “المدرسة الرائدة”؛ لا حُبًّا في تجويد التعلمات أو الارتقاء بالممارسة التربوية كما يروج خطابهم الرسمي، بل وَلَعًا بصفقات هذه المدرسة وامتيازاتها التي تبيض ذهبا لمن يدرك جيدا من أين تُؤْكَلُ الكتف.
ووفق بعض التقارير الصحفية، فقد كلفت السنة الأولى من هذا المشروع ما مجموعه 640 مليار سنتيم (أي 6.4 مليار درهم) دون احتساب تكاليف إضافية مثل التجهيزات، التكوين، والتعويضات. وفي حساب التكاليف السنوية للفصول “الرائدة”، تقدر كلفة تنفيذ السنة (دون الأجور) بـ 25,000 درهم لكل قسم في الابتدائي و30,000 درهم لكل قسم في الإعدادي، كما تقدر مصاريف التشغيل (لوازم، صيانة…) بـ 8,000 درهم للقسم في الابتدائي و12,000 درهم في الإعدادي.
أرقام تطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى المشروع وشفافيته.
لذلك، فالوزير الذي هبط على القطاع بمظلة حزبية بدل الكفاءة والخبرة لم يعد يخفي جشعه؛ فالمدرسة الرائدة تحولت لديه إلى هوس يومي، إلى دجاجة تبيض ذهبا لا يغمض له جفن دون التفكير في بيضها اللامع. وما شبهة تضارب المصالح في صفقات الأدوية إلا رأس جبل الجليد الذي يفتح الباب أمام سؤال أكبر حول حدود الفصل بين الأعمال الخاصة والوظيفة الحكومية.
ولأن أحجار الدومينو تتساقط تباعا، لم يكن مستغربا أن يظهر فجأة تعيين المفتش العام في منصب الكاتب العام، في خطوة يقرؤها كثيرون بوصفها مَمَرًّا سهلا لتمرير الصفقات دون محاسبة وتيسيرها للمقربين، وفتحا لباب تدبير مالي وإداري مُفَصَّلٍ على المقاس. إنها إعادة تشكيل هرم السلطة داخل وزارة “باب الرواح” بما يخدم دائرة النفوذ أكثر مما يخدم منظومة التعليم.
فالوزير، القادم من عالم الأعمال، يدير القطاع كما تُدَارُ الشركات: الولاء قبل الكفاءة، والمصلحة الخاصة قبل المصلحة العامة. وهكذا تحولت الوزارة في عهده من فضاء للتربية والتعليم إلى حلبة للمناورات والمصالح، حيث تختلط السياسة بالمال السايب، وتضيع المدرسة العمومية بين الأرجل. فلا إصلاح، ولا استراتيجية، ولا رؤية، سوى رؤية الطامع الذي لا يرى في المدرسة المغربية سوى فرصة سانحة، وصفقات جاهزة، وقناة للاغتناء تفيض امتيازات.
إن المشكل لم يعد في “التغياز” لنساء ورجال التعليم فقط، بل في التحول الجذري للوزارة إلى مكتب صفقات متنكر في عباءة إصلاح تربوي، وفي جعل التعليم مجرد سلعة داخل سوق يتقاسمه المتنفذون.
فالمدرسة العمومية اليوم ليست ضحية نقص الموارد فحسب، بل ضحية تحويل التعليم إلى سوق مفتوح، وإلى مجال تتقاطع فيه مصالح “عصابة علي بابا” مع قرارات يفترض أن يتولاها التربويون والخبراء.
وهنا تكمن المفارقة: الذين يرفعون راية الإصلاح هم أنفسهم من يفككون آخر ما تبقى من ثقة المواطنين في المدرسة الوطنية.
لقد أصبح واضحا أن الأزمة ليست في “النظام التربوي” وحده، بل في اختطاف القرار التعليمي لصالح أجندات لا تمت لجوهر الإصلاح بصلة.
فمتى تستعيد المدرسة المغربية مكانتها كرافعة للعدالة الاجتماعية؟
هوامش:
▪︎ نشر موقع “ميديا 24” بتاريخ 19 ماي 2025 أن “كلفة تجهيز وتشغيل كل قسم من أقسام المدرسة الرائدة – بعيدا عن أجور الأساتذة – تُقَدَّرُ بـ 25–30 ألف درهم للسنة، إضافة إلى مصاريف تشغيل تُرَاوِحُ بين 8 آلاف و12 ألف درهم حسب المستوى التعليمي”.
▪︎ نشرت “الأسبوع الصحفي” مقال بعنوان: “مشروع المدرسة الرائدة يلتهم الملايير بدون فائدة” بتاريخ 16 أكتوبر 2025، أكد أن “مصاريف السنة الأولى على برنامج المدرسة الرائدة في عهد الوزير شكيب بنموسى، كانت ما مجموعه 640 مليار سنتيم، دون احتساب التكوينات والتعويضات، ودعم مدرسة النجاح والحملات التواصلية، والتي كلفت ملايين الدراهم دون احتساب الصفقات المتعلقة بالتجهيزات اللوجستيكية والحواسيب والسبورات المغناطيسية، والتي بدورها كلفت الملايير على مستوى الأكاديميات.
ومن المنتظر أن يواصل مشروع هذه المدارس “الفاشلة”، حسب المتتبعين، استنزاف الموارد المالية إلى غاية سنة 2028، إلى أن تبلغ الكلفة الإجمالية نفس الميزانية التي صرفت على “المخطط الاستعجالي” في عهد أحمد اخشيشن بـ 4 آلاف مليار سنتيم”.


تعليقات
0