جريدة البديل السياسي- بقلم الأستاذ الحسن العبد
في كل موسم انتخابي، ومع كل تغيير في مجالس الجماعات، يتكرر نفس المشهد: توظيفات غامضة، تشغيل عرضي مشبوه، وتقارير افتحاص لا تكاد تخفي صدمتها من حجم الفوضى.. فما يحدث داخل الجماعات الترابية في بلادنا لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل أصبح بنية راسخة تدار بعقلية الزبونية والمحسوبية في غياب صارخ لمبادئ الشفافية والاستحقاق.
حسب ما تسجله تقارير الافتحاص الرسمية، تُستغل فئة “العمال العرضيين” بشكل ممنهج لتكريس علاقات الولاء السياسي وخدمة المصالح الضيقة للمنتخبين، إذ يتم توظيف هؤلاء خارج أي إطار قانوني واضح، دون مباريات أو معايير موضوعية، بل يكفي أن تكون “قريب فلان” أو “من أنصار فلان”، لتضمن لك مكانا داخل الجماعة.
الخطير في الأمر أن هذه الممارسات لا تفضي فقط إلى تبذير المال العام، بل تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص وتقوض ثقة المواطنين في المؤسسات. فكيف يعقل أن يقصى الشباب الحاصلون على شواهد عليا وتفتح أبواب الجماعات لمن لا مؤهل لهم سوى القرب من “صاحب القرار” ؟
وإذا أردنا فعلا وضع حد لهذه المهزلة، فلا بد من اتخاذ خطوات حازمة، أولها: سحب صلاحية التوظيف العرضي من أيدي المنتخبين، وإسنادها إلى السلطات الإدارية المختصة التي تشتغل وفق مساطر واضحة ومراقبة. ثانيها: فرض مباريات شفافة ومعلنة تشرف عليها لجان مستقلة، تضمن أن يتم الانتقاء بناء على الكفاءة لا القرابة أو الولاء.
فنحن بحاجة اليوم إلى قطيعة حقيقية مع هذا الإرث البائد، وبناء إدارة محلية قوية، نزيهة، وفعالة.. إدارة تُخدم فيها المصلحة العامة لا مصالح الأفراد، أما الاستمرار في التساهل مع هذه الممارسات، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الفساد، ومزيد من فقدان الثقة في الديمقراطية المحلية.
لقد آن الأوان أن نقولها بصوت عال: كفى من المحسوبية والزبونية.. المواطن أولا، والكفاءة فوق كل اعتبار.
وختاما، فإن إصلاح أوضاع الجماعات الترابية لا يمكن أن يتم بمعزل عن إرادة سياسية قوية تُترجم في صناديق الاقتراع، فالاستحقاقات الانتخابية القادمة تشكل فرصة حقيقية لكسر هذا الجمود وتغيير واقع يسوده التسيب والمحسوبية، على المواطنين أن يدركوا أن مشاركتهم الفعالة ليست مجرد حق، بل وسيلة ضغط لإعادة ترتيب الأولويات وفرض احترام مبادئ الشفافية والكفاءة في كل المجالات، ليس فقط في التوظيف، بل في تدبير الشأن العام ككل.. فبدون إصلاح جذري وشامل، يظل الحديث عن التنمية والديمقراطية مجرد شعارات جوفاء، ذلك أن الإصلاح لم يعد خيارا، بل ضرورة ملحة إذا أردنا استعادة ثقة المواطن، وتحقيق عدالة اجتماعية تضمن للجميع موقعا في وطن يستحق الأفضل.


تعليقات
0