جريدة البديل السياسي |البديل الثقافي

عندما تُزهر الأرض بألوان التاريخ.. هذه قصة “إيض يناير” عندما تُزهر الأرض بألوان التاريخ.. هذه قصة “إيض يناير”

WhatsApp-Image-2025-01-13-at-12.49.46-750×430-1

جريدة البديل السياسي 

في الثالث عشر من يناير من كل عام، يستيقظ المغرب على إيقاع مختلف، إيقاع ضارب في عمق التاريخ، ممتد إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، “إيض يناير”، رأس السنة الأمازيغية، حيث تتحول البيوت المغربية إلى لوحات فنية تروي حكايات الأجداد وتحتفي بالأرض والخصوبة.

في هذا اليوم المميز، تفوح من كل بيت مغربي رائحة أوركيمن، ذلك الكسكس الاحتفالي الذي يُعد بسبعة أنواع من الخضروات والبقوليات. ليس مجرد طبق، بل هو رمز للوفرة والخير القادم مع السنة الجديدة. تجتمع العائلات حول المائدة، وكأن التاريخ نفسه يجلس بينهم، يحكي لهم عن انتصارات الملك الأمازيغي شيشنق على الفراعنة، ذلك الحدث الذي يؤرخ لبداية التقويم الأمازيغي.

في القرى والمداشر المغربية، تكتسب الاحتفالات نكهة خاصة. الأطفال يرتدون أجمل الألبسة التقليدية، والنساء يُزينّ البيوت بالزرابي الأمازيغية ذات الألوان الزاهية والرموز العريقة. يتم تحضير تاكلا، ذلك الخبز التقليدي الذي يُخبز على الجمر، بينما تتردد الأهازيج الأمازيغية في الأزقة، تحمل معها صدى قرون من الحضارة.

في بعض المناطق، لا يزال المغاربة يحتفظون بطقس إيميلشيل، حيث يتم غسل الوجه بالحليب في صباح يناير، إيماناً بأن ذلك سيجلب البركة والنقاء للعام الجديد. وفي مناطق أخرى، يُشعل الناس النار في الساحات، ويرقصون حولها رقصة أحواش الشهيرة، تلك الرقصة التي تُجسد وحدة المجتمع وارتباطه بالأرض.

ما يميز احتفالات إيض يناير في المغرب هو ذلك المزيج الفريد بين الأصالة والمعاصرة. في المدن الكبرى، تُقام حفلات موسيقية تجمع بين الأغاني الأمازيغية التقليدية والموسيقى الحديثة. المسارح تعرض مسرحيات تحكي التاريخ الأمازيغي، والمتاحف تفتح أبوابها مجاناً للزوار للتعرف على الحضارة الأمازيغية العريقة.

منذ أن أصبح رأس السنة الأمازيغية عطلة رسمية في المغرب، ازداد الاحتفاء به في كل أنحاء المملكة. المدارس تُنظم أنشطة تعليمية عن التاريخ الأمازيغي، والجمعيات الثقافية تُقيم معارض للحرف التقليدية والفن الأمازيغي، من الفضيات والزرابي إلى الفخار المُزين بالرموز القديمة.

إيض يناير ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو احتفال حي بالهوية المغربية المتعددة الروافد. إنه يوم يتذكر فيه المغاربة، أمازيغاً وعرباً، أن قوة الوطن تكمن في تنوعه، وأن الحضارة المغربية هي نتاج تلاقح الثقافات عبر العصور.

عندما يجتمع المغاربة حول مائدة الكسكس في الثالث عشر من يناير، فإنهم لا يحتفلون فقط بعام جديد، بل يُعيدون الاتصال بجذورهم، يُكرّمون أجدادهم، ويُعلنون للعالم أن الحضارة الأمازيغية، بكل ما تحمله من قيم الضيافة والكرم والارتباط بالأرض، ستظل نابضة بالحياة، جيلاً بعد جيل.

أسكاس أماينو – عام سعيد للجميع!

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي