جريدة البديل السياسي
أطفالنا في عصر الشاشات: كيف يؤثر الهاتف على سلوكهم ونموهم؟
ذ. فؤاد لوطة
في العصر الرقمي الذي يسيطر على تفاصيل حياتنا اليومية، أصبح الهاتف الذكي رفيق الطفل الدائم، لا باعتباره وسيلة للتواصل أو التعلم فقط، بل بوصفه نافذة مفتوحة على عالم متسارع بالأحداث والمعلومات. ومع تزايد الاعتماد عليه، لم يعد الهاتف مجرد أداة مساعدة، بل غدا جزءًا من يوميات الطفل وهويته الناشئة، وهو ما يفرض على الأسرة وعيًا متزايدًا بكل لحظة يقضيها الطفل أمام الشاشة.
لقد تغيرت ملامح الطفولة ذاتها، إذ يقضي كثير من الأطفال ساعات طويلة في التحديق في الشاشات، على حساب اللعب الحر والتفاعل المباشر مع الأقران. هذا التحول ينعكس تدريجيًا على السلوك الاجتماعي، فيعزز الميل إلى العزلة، ويضعف مهارات التواصل، ويحد من قدرة الطفل على التعبير عن مشاعره وتكوين علاقات إنسانية متوازنة.
ومن الناحية النفسية، يؤدي الاستخدام المكثف للهاتف إلى اختلال التوازن الانفعالي، حيث تظهر علامات التوتر والعصبية عند حرمان الطفل من الجهاز. فالهاتف يوفر متعة فورية وإشباعًا سريعًا، ما يجعل ضبط الوقت وحدود الاستخدام تحديًا حقيقيًا للأسرة، ويكشف عن اعتماد متنامٍ على الإثارة الرقمية بدل التفاعل الواقعي.
كما يكتسب الطفل منظومته القيمية والسلوكية تدريجيًا من المحتوى الذي يتعرض له. فالمشاهد العنيفة، والألعاب التنافسية، والتحديات الخطرة، تشكل تصوراته عن العالم، وقد تشوش فهمه للصواب والخطأ، وتخلق فجوة بين ما يتلقاه من توجيه أسري وما يراه في فضائه الافتراضي المفتوح.
وينعكس هذا الاعتياد المبكر على الهاتف في القدرات العقلية للطفل، إذ يعتاد على التلقي السريع والمجزأ للمعلومة، مما يضعف التركيز والاستيعاب والتفكير التحليلي. ويصبح من الصعب عليه متابعة الأنشطة التعليمية التي تتطلب صبرًا وانتباهًا متواصلًا، في ظل عقل اعتاد الإيقاع السريع للتطبيقات الرقمية.
ويؤثر هذا النمط كذلك على الصبر والتحمل، فالطفل الذي ينشأ في ثقافة الإشباع الفوري يواجه صعوبة في تقبل الفشل أو مواجهة التحديات التي تحتاج جهدًا واستمرارية. ومع الوقت، تتراجع قدرته على المثابرة، ويصبح أقل استعدادًا للتعامل مع مشكلات الحياة اليومية بثبات وحكمة.
ومن الزوايا اللافتة، أن بعض التطبيقات تزرع سلوكيات سطحية، كالمقارنة المستمرة بالآخرين وربط القيمة الذاتية بعدد الإعجابات والمشاهدات. هذه الممارسات تولد القلق الاجتماعي، وتضعف الثقة بالنفس، وتهدد نمو شخصية متزنة، ما يستدعي تدخلًا تربويًا واعيًا لإعادة تشكيل نظرة الطفل إلى ذاته.
أما على مستوى العلاقات الأسرية، فيعيد الهاتف الذكي تشكيل الروابط داخل البيت. فالجلسات العائلية قد تتحول إلى لحظات صامتة، ينشغل فيها كل فرد بشاشته، فيضعف الحوار الوجداني، ويصبح التفاعل الافتراضي بديلاً عن التواصل الإنساني المباشر، وهو ما يقلص فرص التنشئة الاجتماعية السليمة.
ويظهر التأثير الجسدي للهاتف بوضوح في حياة الطفل، حيث يؤدي الجلوس الطويل أمام الشاشة إلى إجهاد العين، واضطرابات النوم، وقلة الحركة. فالضوء الأزرق يؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين، ويضعف جودة النوم، بينما يقل النشاط البدني الضروري لنمو العضلات والعظام، ما يزيد من مخاطر الخمول والسمنة.
ومن منظور نفسي أعمق، يعزز التعرض المفرط للشاشات القلق والتقلب المزاجي، خاصة مع انتشار التنمر الإلكتروني ومشاهد العنف. هذه التجارب الرقمية قد تولد شعورًا بالخوف أو العجز، وتضعف إحساس الطفل بالأمان، ما يجعل المراقبة الأسرية ضرورة لا غنى عنها.
ولا يمكن إغفال تأثير الهاتف على الهوية القيمية والدينية، فالمحتوى غير المراقب قد يضعف قدرة الطفل على التمييز الأخلاقي، ويخلق تعارضًا بين القيم الأسرية والقيم المضمرة في العالم الرقمي. وهنا تبرز أهمية الحوار الأسري بوصفه جسرًا بين الطفل وما يستهلكه من محتوى.
ويكمن الخطر الأكبر في تحول الهاتف إلى “معلّم صامت”، يشكل وعي الطفل ووجدانه بعيدًا عن النقاش والتفكير النقدي. فالطفل قد يصدق الصورة الرقمية أكثر من توجيه والديه أو معلميه، مما يجعل تحقيق التوازن بين التقنية والتربية مسؤولية ملحّة.
كما يسهم الاعتماد على الهاتف كمصدر أساسي للمتعة في نشوء إدمان رقمي تدريجي، تحفزه آليات المكافأة السريعة وإفراز الدوبامين. ومع الوقت، تتراجع القدرة على الاستمتاع باللعب الطبيعي، والتفاعل الاجتماعي، والأنشطة التي تنمي الخيال والإبداع.
وتلعب الفوارق الاجتماعية والثقافية دورًا حاسمًا في توجيه استخدام الطفل للتكنولوجيا. فالأسر الواعية توظف الهاتف كأداة تعليمية داعمة، بينما تجعل قلة الوعي الطفل أكثر عرضة للمخاطر الرقمية، مما يعمق الفجوة في النمو المعرفي والسلوكي بين الأطفال.
كما يؤثر الاستخدام المفرط للهاتف على اللغة والتواصل، إذ يؤدي ضعف الحوار المباشر إلى محدودية المفردات، وتراجع مهارات التعبير الشفوي، وهو ما ينعكس على الأداء الدراسي والتفاعل الاجتماعي لاحقًا.
وفي هذا السياق، يبرز دور الأسرة في اعتماد رقابة ذكية لا تقوم على المنع المطلق، بل على وضع ضوابط واضحة، ومتابعة المحتوى، وإشراك الطفل في تنظيم وقت الشاشة، بما يعزز حس المسؤولية والانضباط الذاتي. ولا يقل دور المدرسة أهمية، من خلال برامج التربية الرقمية التي ترسخ الاستخدام الواعي للتكنولوجيا.
وفي المحصلة، يظل الهاتف الذكي أداة مزدوجة التأثير؛ يمكن أن يكون نافذة للمعرفة والإبداع، كما يمكن أن يتحول إلى تهديد لنمو الطفل النفسي والاجتماعي والجسدي إذا غاب التوجيه. فالطفولة مرحلة تأسيس، تتشكل فيها القيم والعادات والمهارات التي ترافق الإنسان طوال حياته.
إن مستقبل أطفالنا مرهون بقدرتنا على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والواقع الإنساني، بين المتعة اللحظية والتجربة العميقة، وبين الشاشة والحياة. فالأسرة الواعية، والمدرسة المسؤولة، والمجتمع الفاعل، شركاء في حماية الطفولة ومنحها حقها في النمو المتكامل.
فالطفولة ليست شاشة، بل حياة نابضة بالاكتشاف، والحركة، واللعب، والحوار. ومن واجبنا أن نعيد رسم حدود التقنية، بما يضمن للطفل الحرية والحماية معًا، ليكبر إنسانًا متوازنًا، واعيًا، وقادرًا على العيش في عالم تتداخل فيه الرقمنة مع الواقع دون أن تفقده إنسانيته.

فؤاد لوطة كاتب مغربي/ أستاذ اللغة العربية


تعليقات
0