جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

قرار وزير الداخلية بزيادة أجور القياد: بين منطق التحفيز وإشكالية العدالة الاجتماعية

WhatsApp Image 2026-03-07 at 02.04.45

جريدة البديل السياسي -أحمد عاشور 

أثار قرار وزارة الداخلية القاضي بالزيادة في أجور القياد بما مجموعه 7000 درهم نقاشا مشروعا حول أولويات السياسات العمومية ومدى احترام مبدأ العدالة الاجتماعية في تدبير المال العام, فبالرغم من أن تحسين أوضاع الموظفين يبقى مطلبا مشروعا في ظل غلاء المعيشة، فإن طريقة إقرار هذه الزيادة وسياقها العام يطرحان عدة تساؤلات سياسية ومؤسساتية.

أول هذه التساؤلات، يتعلق بكيفية تمرير مثل هذه القرارات، إذ يبدو أن تأشير وزير الداخلية عليها تم بشكل مباشر، في حين أن زيادات الأجور في قطاعات أخرى تمر غالبا عبر مسار تفاوضي مع النقابات وتدقيق من طرف وزارة الاقتصاد والمالية، وهو ما يطرح سؤالا حول مدى احترام مبدأ توحيد تدبير الأجور داخل الوظيفة العمومية، ولماذا لا يتم اعتماد المقاربة نفسها مع باقي فئات الموظفين.

ومن المهم التأكيد، أن هذا النقد لا يستهدف التقليل من قيمة القياد أو رجال السلطة، فهم في النهاية أبناء هذا الوطن ويقومون بمهام داخل جهاز الدولة، غير أن الإشكال الحقيقي يتعلق بطبيعة الاختيارات الحكومية في توزيع الموارد المالية العمومية.

ففي السنوات الأخيرة لوحظت زيادات مهمة لفئات محددة مثل القضاة وبعض الأطر العليا في الدولة، وهو ما قد يوحي وكأن هذه الفئات وحدها هي التي تعاني من غلاء المعيشة، في حين أن غالبية الموظفين والمواطنين يواجهون الظروف الاقتصادية نفسها دون أن تحظى ملفاتهم بالاهتمام ذاته.

كما أن بعض هذه الفئات ( القياد، الولاة والقضاة..) تستفيد أصلا من امتيازات مهنية مهمة، من بينها السكن الوظيفي المجاني، إضافة إلى امتيازات مرتبطة بالمحروقات والتنقل، وهو ما يجعل مسألة الزيادات الكبيرة في الأجور تطرح تساؤلات إضافية حول معايير العدالة والإنصاف بين مختلف فئات المجتمع.

ومن المفارقات أيضا أن فئات مثل القياد ورجال السلطة وكذلك القضاة لا يحق لهم الانخراط في العمل النقابي بحكم طبيعة وظائفهم، في حين أن الزيادات التي تمنح لهم تكون أحيانا أكبر من تلك التي تنتزع بعد سنوات من النضال النقابي في قطاعات أخرى، وهذا الأمر قد يعمق الإحساس بعدم التوازن في التعاطي مع مختلف فئات الوظيفة العمومية.

وفي المقابل، ما تزال قطاعات اجتماعية أساسية مثل التعليم والصحة، إضافة إلى فئات واسعة من الموظفين والعمال، تعاني من ضعف الأجور وتدهور القدرة الشرائية وغياب حلول جذرية لملفاتها الاجتماعية، كما أن الشباب المغربي يواجه معدلات بطالة مرتفعة، الأمر الذي كان يقتضي من الحكومة التفكير في سياسات أكثر توازنا، من بينها خلق فرص شغل جديدة قادرة على امتصاص البطالة بدل توجيه موارد مالية إضافية لفئات محدودة.

إن التخوف المشروع لدى جزء من الرأي العام هو أن تتحول مثل هذه القرارات إلى محاولة لكسب رضى بعض أجهزة الدولة، كرجال السلطة أو القضاء، بدل أن تكون جزء من إصلاح شامل وعادل لمنظومة الأجور في الوظيفة العمومية.

إن المطلوب اليوم ليس فقط قرارات جزئية هنا أو هناك، بل إصلاح حقيقي وشامل لمنظومة الأجور يضمن العدالة بين مختلف فئات الموظفين، ويراعي في الوقت نفسه الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي يعيشها عموم المواطنين.

فاعتقد, ان العدالة الاجتماعية لا تتحقق بقرارات انتقائية، بل برؤية شاملة توازن بين تحفيز موظفي الدولة وبين احترام مبدأ الإنصاف بين جميع المغاربة.

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي