جريدة البديل السياسي
سلس الريح / قصة قصيرة
عبد المجيد طعام
لم يكن التفاوض مع الشيخ أمرا هينا.
أن تقنع رجلا تفصله عن الله مسافة أقصر مما تفصله عن البشرليحل بمدينتك، هذا ضرب من المعجزات. كل الفضل يعود إلى رئيس الجمعية. رجل من طينة لا تعرف الاستسلام. اعتاد أن يرفع التحديات.
بدأت المفاوضات برسائل صوتية مطولة، تحمل من كلمات التبجيل ما يكفي لفتح كل أبواب الجنة . ثم انتقلت المفاوضات إلى مكالمات امتدت إلى ساعات متأخرة من الليل. قبل الشيخ على مضض لأن المدينة تستقر في الهامش ولا إشعاع لها . إلا أنه فرض شروطا يعتبرها معقولة وطبيعية بالنظر إلى قيمته في سوق الوعظ والإرشاد . طلب: تذكرة سفر عبر الطائرة ليحاضر بمدينة الغبار والبطالة . استقبال لائق. وجوه مشرِقة بالتقوى، مَختومةٌ على جِباهها دمغةُ أهل الجنة، وشباب أتقنوا فنون الولاء والطاعة .ثم سيارة رباعية الدفع، لأن الطريق إلى الفندق قد تحتاج إلى هيبة تليق بمن هو في حضرة الشيخ.
أثناء التفاوض على الفندق ،لاحت في الأفق عقبة غير متوقعة. المدينة، تلك التي تقع على حدود واضحة مع التنمية والثقافة والفكر المتنور، لا تتباهى بكثرة فنادقها المصنفة بقدر ما تتباهى بكثرة وعاظها. فنادق مصنفة نادرة كندرة المستثمرين .تضم كلها إما حانةً في الطابق السفلي أو كباريه في الجناح الخلفي. حين أُبلغ الشيخ بهذا، أطال الصمت لحظة، كأنه دخل في خلوة روحية . ثم قال بهدوء من لا يرى في الأمر أي تناقض: “المهم أن يكون جناحي على بعد أربعين مترا على الأقل من مكان الخمر.”اطمأن الجميع. قيس الجناح. كانت المسافة كافية لصون الإيمان.
أثناء التداول في المستحقات المالية، شهدت المفاوضات أخذا وردا، وانتهى الأمر إلى اتفاق: يمنح الطرف الأول للطرفَ الثاني ما قيمته ثلاثين ألف درهم. بعملة اليورو أو الدولار ، يتسلمها نقدا قبل أن يفتح الطرف الثاني فمه بكلمة. وحين تجرأ أحدهم، بلطف شديد، على الإشارة إلى الحسنات التي ستتراكم في صحيفة الشيخ جزاء لهذا الجهد العلمي. ابتسم الشيخ ابتسامة ماكرة وهو يرد عليه : “الحسنات؟ عندي منها ما يفيض عن حاجتي، وقد جمعت من أعمالي الصالحة ما أنافس به الصديقين، وأكاد – دون أن أبالغ – أقترب من بعض الأنبياء. لكنَ القضية أنني أحتاج العملة الصعبة .. ابنتي تدرس الفيزياء في كامبريدج…… وكامبريدج – للأسف – لا تدرج الحسناتِ ضمن العملاتِ المقبولة.”
ثم أخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية، وناولها لرئيس الجمعية. كانت تحمل موضوع المحاضرة. فتحها رئيس الجمعية ، وقرأ:
“هل للريح لون ؟ وما حكم سلس الريح ؟.”
صمت طويل.قطعه إحساس بالفرح . أدرك الرئيس أن المحاضرة ستنجح. الناس يحبون هذا النوع من الأسئلة . يحبون كل الأسئلة التي تشغلهم عن أسئلة أخرى. في نفس اللحظة كتب الشيخ في مذكرته:” مدينة واعدة. يمكن العودة إليها”


تعليقات
0