جريدة البديل السياسي
من المظاهر الاجتماعية النسائية في رمضان إقبال النساء على شهود التراويح وغيرها من الصلوات في المسجد، ويتزامن مع ذلك التساؤل أو الاحتجاج من طرف النساء اللواتي يمنعهنّ أزواجهن أو أولياؤهن من الخروج للمسجد.
فمرة تبعث فتاة شاكية: أبي لا يسمح لي بالخروج لصلاة التراويح في المسجد في رمضان، ولا حتى العشر الأواخر، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بنفسه يوقظ أهله ويدفعهم للصلاة!
ومرة تبعث زوجة مستنكرة: زوجي يرفض خروجي لشهود صلاة التراويح في المسجد، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم منع الرجال أن يمنعوا النساء في حديث “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله”، فكيف الرد عليه وعلى كل من يتسلط على النساء باسم الدين فيمنعهن من حقهن في التعبد؟!
ومن مجموع النقاشات والردود كانت مادة هذه المقالة، الهادفة لرسم تصور متكامل يحلّ إشكالات أعمق وأكبر من ظاهر المشكلة المسؤول عنها. وهي خلاصات جامعة مما جاء تفصيله في كتابي “ما بال النّسوة؟” الذي يصدر قريبًا إن شاء الله تعالى، رأيت نشرها الآن لموافقتها شهر رمضان المُعظّم، وقرب العشر الأواخر:
1. فهم النص الشرعي قبل الاستدلال به
قبل أن يستشهد العامي بحديث أو آية لا بد أن يراجع شروح أهل العلم فيها. والمقصود بالعامي هنا المسلم العادي من غير العلماء المختصين في علوم الشرع. والواقع شاهد بأن الانتساب للعرق العربي لا يعني بالضرورة التمكن من العربية لغة ولسانًا وذائقة. وبالتالي ما يظن العامي أنه يفهمه بعربيته العامية من ظاهر لغة الحديث أو الآية غير دقيق غالبًا، إن لم يكن خاطئًا بالكلية. بل حتى الإلمام بعلوم العربية أو الاختصاص فيها لا يجعل صاحبها من أهل الاختصاص بعلوم الشريعة، ناهيك أن يكون من أهل الرأي المعتبر فيها. لذلك كله لا غنى عن الرجوع لشروح أئمة أهل العلم الراسخين من الأوائل، أو من يقرّبها للأفهام من أهل العلم المعاصرين. وإذا اتخذنا الحديث المُشار إليه مثلًا، فليست كل “لا” في النص الشرعي تفيد التحريم، بل هناك تفرقة فقهية لمراتب النهي: فمنها نهي كراهة، ومنها تنزيه، ومنها تحريم، وهكذا.
ثم إنه لا يتم تصور صحيح متكامل لجواب مسألة حتى تُستحضر فيها كل النصوص المتعلقة وشروحها. أما منهج الاتكاء على نص منفرد بوصفه قائمًا بذاته ودليلًا قاطعًا، فلا يصحّ أن يصدر إلا من أهل الاختصاص، لأنهم قد راجعوا بدورهم النصوص المتعلقة بالفعل وبحثوا المسألة من كل الوجوه والاحتمالات؛ وهذا ما لا يقف عليه العامي بالتصور العام والسطحي.
2. أصل السلطة وحدود السلطان
لا وجه للوصل بين مسائل السلطة والطاعة في التشريع الإسلامي وإشكالات التسلط الذكوري أو الهضم النسوي التي يكثر التحجج بها في هذه السياقات؛ لأن السلطة في تشريع الله تعالى لا تكون إلا لله تعالى، وليس لمخلوق حق أصلًا إلا ما يُحقّه له الحق جل وعلا، ولا َيحِق لمخلوق أن ينزع حقًّا من غيره ولا لعبد أن يتسلط على عبد أو يكون له عليه سلطان إلا وفق ما قرره الشارع، بالقدر والهيئة والحد المتقررين. فالله تعالى هو الذي يخلق، وهو تعالى الذي يقسم بين الخلائق الحقوق والواجبات والحدود والمراتب. وبذلك تخرج مسألة السلطان عامة وبين الزوج والزوجة خاصة من نطاق المحاباة الشخصية أوالعداوة الجنسية وعقدة الثأر أو نزعة التفرعن، التي يقع فيها لا ريب كل تشريع سوى تشريع الله تعالى.
وعلى هذا الأساس، إذا جئنا نتأمل في تعريف النشوز في الاصطلاح الفقهي كما ورد في كتاب “المُغني” في الفقه المقارن، هو: “معصية الزوجة لزوجها فيما فرض الله عليها من طاعته. وهو مأخوذ من النَّشْز، أي الارتفاع، فكأنها ارتفعت وتَعالَت عما فرض الله عليها من طاعته” ا. هـ.[1] تأمل إحكام العبارة ودقة حدودها، وتفكّر في ذلك الربط بين الاستعلاء على الزوج بالاستكبار على شرع الله تعالى، من حيث إن الله تعالى هو الذي فرض على الزوجة ما فرض من طاعة الزوج، ولولا فرض الله تعالى بينهما ما استحق أحدهما من صاحبه شيئًا بنفسه. فليس الشأن إذن عنادًا لعصبية جنسية أو تنافسًا على إثبات ذات أو فرض سلطة. بل الشأن إدراك أن ما يقوم بين الزوجين – كما بين كل متعامِلَيْن مُنتسبيْن للإسلام – هو شِرعة الله تعالى في المعاملات بين خلقه، بحسب سياق معاملتهم. فالاستكبار أو التأبّي على أداء حقوق العشرة وآدابها، مَرَدُّه في الأساس لخلل في عمق إيمان صاحبه ومدى تقواه، بسبب ضعف صلته هو بالله تعالى في المقام الأول: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. ومقياس النشوز وأشكاله مبسوطة كذلك في مراجع الفقه والآداب الشرعية، وهي مغايرة للتصور السائد في الأذهان عمومًا والذي يختزل النشوز في أي قول لكلمة “لا” للزوج على الإطلاق. وبالمثل تصور الطاعة ومواضعه مغاير للتصور السطحي الذي يجعل من طاعة الزوجة لزوجها أن تسلّم له تسليمًا أعمى وتصبر تمامًا على كل ما يصدر منه مطلقًا حتى توافيها المنيّة!
وأما التوجيه النبوي للرجال بعدم المنع، فقد استفاض أهل العلم في شرح هذا الحديث وأشباهه، والخلاصة أنه نهي تنزيه لا تحريم، أي يُستحب ولا يجب على الزوج أن يأذنَ لزوجتِه إذا استأذنتْه في الخروجِ إلى المسجدِ للصلاةِ، وله أن يمنعها: “يُستحب للزوج أن يأذن لها إذا استأذنته إلى المسجد للصلاة… فإن منعها لم يحرم عليه، هذا مذهبنا. قال البيهقي: وبه قال عامة العلماء. ويجاب عن حديث: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله” بأنه نهي تنزيه؛ لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه للفضيلة”[1]. “لو لم يكُن للرجل منْعُ المرأةِ من ذلك لخُوطِبَ النساءُ بالخروج، ولم يُخاطبِ الرِّجالُ بالمنعِ، كما خُوطِبَ النساءُ بالصَّلاةِ ولم يُخاطَبِ الرجالُ بأنْ لا يمنعوهنَّ منها” [2].
فهذا الجانب الفقهي لممارسة تلك السلطة، وأما الجانب التربوي الأدبي ففيه لفتة نبيهة في وصف المنع بأنه منع “تنزيه”. فالتنزيه في اللغة يعني: “يَتَنَزَّهُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا تَبَاعَدَ مِنْهُ … وَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الْقَبِيحِ: نَحَّاهَا. وَنَزَّهَ الرَّجُلَ: بَاعَدَهُ عَنِ الْقَبِيحِ. وَالنَّزَاهَةُ: الْبُعْدُ عَنِ السُّوءِ. وَإِنَّ فُلَانًا لَنَزِيهٌ كَرِيمٌ إِذَا كَانَ بَعِيدًا عَنِ اللُّؤْمِ، وَهُوَ نَزِيهُ الْخُلُقِ. وَفُلَانٌ يَتَنَزَّهُ عَنْ مَلَائِمِ الْأَخْلَاقِ أَيْ يَتَرَفَّعُ عَمَّا يُذَمُّ مِنْهَا. الْأَزْهَرِيُّ: التَّنَزُّهُ رَفْعُهُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّيْءِ تَكَرُّمًا وَرَغْبَةً عَنْهُ” [لسان العرب]. إن التأمل في الدلالة اللغوية وحدها يبين كيف أن الوصية النبوية في الحقيقة توجيه للرجال أن يترفّعوا بأنفسهم وينأوا بها عن التدني لإساءة سلطتهم على نسائهم، بمنعهن من زيارة بيوت ربهم تبارك وتعالى، وهنّ إماء لله تعالى قبل أن يكنّ زوجات لهم! وهذه اللفتة الثانية في دقة العبارة النبوية ممن لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام: “إماء الله”، “بيوت الله”. فالمسألة ليست تسلّطًا طائشًا أو عقدة سلطوية، ولا هي قرار شخصي بحت بين رجل وامرأته، بل هي مسألة بين العبد والأمة وربهما! فبيت الله مفتوح لكل مسلم وزيارته شرف مكفول لكل مسلم، ولا يمنع مسلمًا مسلمًا من ذلك إلا أن يكون بأمر الله تعالى رب البيت ورب الناس معًا!
وعلى ذلك، لا ينبغي أدبًا (وإن جاز شرعًا) لعبد مسلم ورجل قوّام على أهله أن يمنع نساءه الخروج لبيت الله تبارك وتعالى لمجرد هوى ممارسة السلطة، طالما تحققن بالضوابط وانتفت المحاذير الشرعية. بل من المروءة والتقوى أن يحب لأهله الخير كما يحب لنفسه، وأن يوضّح دواعي منعه إذا قرر المنع ببيان حكيم تطيب به الطاعة له، لا أن ينزل بها كنصل سيف باطش. ثم إنه لا مصلحة لرجل عاقل رشيد أن يتعسف في رياسته ويضيق على أهل داره بغير داع، فيعود على نفسه بالضيق في الدارين! فمن جهة دنيوية تتغير النفوس وتتكدر العِشرة وتتوتر أجواء السكن، ومن جهة أخروية لعله يحرم نفسه مثوبة بإعانة رعيته على باب مرضاة الله تعالى.
3. الطاعة بامتثال الأمر لا التأمّر عليه
عندما يقال إن النساء يخرجن من بيتهن لألف سبب وداعٍ فلماذا التضييق عندما يكون الخروج لبيت الله تعالى؟ فخلاصة الرد هنا إدراك التصور الأصلي للمسألة في الشرع، وهي أن الأصل للنساء الوقر في البيوت، وللرجال الضرب في الأرض؛ فالأصل أن يكفيَ المرأةَ وليُّها من الرجال مؤنة الخروج لحاجاتها ما أمكنه، وأن يغلب عليها الاستتار في البيت ما لم يدع داع للبروز. وتثاب المرأة على وقرها في البيت ما احتسبته طاعة لله تعالى. ولم يرد في الشرع ما يُوجِب على المرأة الخروج من بيتها إلا في حالات معدودة، كذلك لم يرد ما يمنعها من الخروج من بيتها لحاجة مشروعة بالضوابط الشرعية المتقررة.
وجاءت آداب الشرع وتوجيهاته بالتأكيد على ذلك الاستتار وتفضيله، حتى في أعظم المواطن وأحقها لله تعالى على العباد وهي الصلاة في المسجد، فكيف بما دون ذلك؟! فقد ذهبت الصحابية أمّ حميد بنفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخبره برغبتها في شهود الصلاة معه، وهذا من أقوى دواعي الخروج وأشرفها، فانظر ما كان رده عليها عليه الصلاة والسلام، ثم انظر كيف كانت استجابتها لما هو أحب وأرضى عند الله ورسوله: “عن أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ. قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي! فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ” [أحمد].
وفي صياغة أخرى للحديث المشهور في سنن أبي داود: “لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمْ الْمَسَاجِد، وَبُيُوتهنَّ خَيْر لَهُنَّ”. وجاء في شرح “عون المعبود”: أَيْ صَلَاتهنَّ فِي بُيُوتهنَّ خَيْر لَهُنَّ مِنْ صَلَاتهنَّ فِي الْمَسَاجِد لَوْ عَلِمْنَ ذَلِكَ , لَكِنَّهُنَّ لَمْ يَعْلَمْنَ فَيَسْأَلْنَ الْخُرُوج إِلَى الْمَسَاجِد وَيَعْتَقِدْنَ أَنَّ أَجْرهنَّ فِي الْمَسَاجِد أَكْثَر. وَوَجْه كَوْن صَلَاتهنَّ فِي الْبُيُوت أَفْضَل الْأَمْن مِنْ الْفِتْنَة , وَيَتَأَكَّد ذَلِكَ بَعْد وُجُود مَا أَحْدَثَ النِّسَاء مِنْ التَّبَرُّج وَالزِّينَة وَمِنْ ثَمَّ قَالَتْ عَائِشَة مَا قَالَتْ” ا. هـ .
وبالتالي، ماذا تريد المرأة من الخروج للصلاة في المسجد طالما لم يُفرض عليها ذلك؟ إذا كانت تريد طاعة ربها تبارك وتعالى فقد بيّن لها سبحانه وجه الطاعة المراد منها في هذه المسألة كما في غيرها. وثواب المرأة على الصلاة لم يُرهَن بشهود جماعة ولا الخروج للمسجد في الفرائض، فكيف بالنوافل؟! فإذا أرادت الصلاة في المسجد طلبًا للثواب الأعلى فقد جعله الله تعالى على صلاتها في بيتها في الأصل، ولها على ذلك أن تخرج للمسجد بالضوابط الشرعية، ما لم يمنع مانع شرعي.
وإذا كانت الطاعة تعني الامتثال، فمن الطاعة أن المطيع ليس له “التأمّر” أي اختيار شكل الطاعة أو التشرّط فيها. ومن طاعة الله تعالى طاعة كل من أمر الله تعالى بطاعته ضمن الحدود التي جعلها الله له وعلى الوجه الذي يريده الله تعالى. فكلا الطرفين في هذا المثال – الزوج والزوجة – تبع لأمر الله تعالى ومطيعان له، فمن طاعة الزوجة لأمر الله تعالى أن تطيع زوجها بالمعروف ضمن نطاق السلطان الذي جُعل له عليها، ومن طاعة الزوج لأمر الله تعالى أن يستعمل تلك السلطة بالمعروف ضمن النطاق المجعول له.
من جهة أخرى، تسلتزم الطاعة مراعاة الأولويات الشرعية على ترتيبها الشرعي. صحيح أن “التراويح” بالمُسمّى لا تكون إلا في رمضان، لكنها بالمعنى في كل آن سمحت فيه الشريعة بصلاة التطوع، نهارًا أو ليلًا. وأما الثواب فأمره إلى الله تعالى في كل حين، سواء في رمضان وغيره. ثم إنه قد ثبتت في الشريعة تنبيهات على أمور إذا استطاع العبد أن يأتي بها كان أدعى لقبول طاعته وإعلاء ثوابه، منها حضور القلب والخشوع والسكينة. وكذلك ثبتت محاذير إذا وقع فيها العبد كان أخوف عليه أن يقلّ ثوابه كالعبث والالتفات في الصلاة، ومنها ما يُحبط الثواب، كالقيام رياء وسمعة، أو النقر في الصلاة نقر الدّيَكَة؛ وعن أبي هريرة رضي الله عنه: “نَهَانِي رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنْ ثلاث [في الصلاة] نَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الدِّيكِ وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ” [أحمد]. ولذلك، فمجرد الالتزام بصلاة التراويح مسمّى قد لا يضمن لصاحبها بالضرورة ثوابًا أعلى مما يصليه خارج رمضان. وصحيح أن رمضان ذو بركة مخصوصة وكذا الطاعات فيه، لكن العبرة كذلك بهيئة الصلاة وروحها وما وقر في قلب المصلي أثناءها، وقبل كل ذلك استيفاء أركانها وآدابها. ولعله يفيد هنا استحضار أشكال أخرى من اختلال الأولويات، كالتفريط في الفرائض نفسها بشتى الصور بدعوى أن صاحبها صائم ويوفر جهده للقيام التطوعي!
وليس القصد من هذا الاستهانة بثواب الطاعات في رمضان، حاشا! بل القصد التنبيه على مراعاة الأولويات الشرعية، وكذلك على سعة الالتزام بالطاعات طوال العام وعدم اقتصارها على رمضان، فيشعر المرء أنه محروم من الخير والثواب إذا لم يتسن له القيام بطاعة بشكل معين لأنه لا فرصة أخرى أمامه بعد رمضان! فصلاة التراويح – مثلًا – هي شكل مخصوص من قيام الليل، وهذه طاعة يمكن المداومة عليها طوال العام بحسب الاستطاعة والهمة.
وليجدد العبد تذكرة نفسه بأنه لا يستحق الثواب ولا ينال الرضوان إلا برحمة الله تعالى وفضله، وإنما القصد من عمله أن يُرِيَ الله تعالى من نفسه خيرًا ويمتثل لأمره، لا أن يتّكل على عمله ويظن أنه ضامن للثواب بهذا الشكل من الطاعة أو تلك.
4. منهج إسقاط الممارسات السالفة على الأجواء المعاصرة
الاقتداء بهدي أهل الأزمان الفاضلة لا يعني بحال استنساخ سلوكهم استنساخًا أعمى، وتأصيل قواعد عامة استنادًا إليه، دون اعتبار للفوارق الاجتماعية والنفسية والحضارية التي تبدلت عبر القرون. وكثير من الأعراف والعادات الحسنة التي تمت ممارستها بإحسان في زمانهم، لا تكاد تخلو في صور تطبيقها اليوم من محاذير، إن لم تكن تتعمد استثارة تلك المحاذير! ومثال ذلك المسألة محل النقاش: فخروج النساء للمسجد اليوم تحوّل إلى مظهر اجتماعي لا يكاد يخلو من محاذير ومعاص. فكم من تجمهرات نسائية في المسجد يكثر فيها من اللغط والغيبة والنميمية، والإزعاج العام بكثرة الثرثرة والتهامس، وهذه التصرفات لا تعكر صفو ومقصد التواجد في بيت الله تعالى فحسب، بل نية الخروج وثوابه. يُضاف إلى ذلك فتنة رواج دخول المسجد بالتعطر الفوّاح والتأنق المتبرج، استعدادًا لما بعد التراويح من مناسبات اجتماعية! فهل يقول عاقل إن هذه الصور من التطبيق اقتداء بالأوائل؟!
ثم لماذا لا تستحضر النساء في هذا السياق ما يخصّهن من توجيهات المصطفى عليه الصلاة والسلام لهنّ كما يستحضرن ما يخصّ الرجال؟ ففي الحديث في سنن أبي داود وغيره عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: “لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَجَدَ مِنْهَا رِيحَ الطِّيبِ يَنْفَحُ، وَلِذَيْلِهَا إِعْصَارٌ، فَقَالَ: يَا أَمَةَ الْجَبَّارِ، جِئْتِ مِنَ الْمَسْجِدِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: وَلَهُ تَطَيَّبْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ لِامْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِهَذَا الْمَسْجِدِ، حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الجَنَابَةِ”. وجاء في شرح الحديث في فيض القدير للمناوي: “(أيّما امرأة تطيّبت) أي استعملت الطيب الذي هو ذو الريح (ثم خرجت إلى المسجد) تصلي فيه (لم تقبل لها صلاة) ما دامت متطيبة (حتى تغتسل) يعني تزيل أثر ريح الطيب بغسل أو غيره، أي لأنها لا تثاب على الصلاة ما دامت متطيبة، لكنها صحيحة مُغنية عن القضاء، مسقطة للفرض، فعبّر عن نفي الثواب بنفي القبول إرعابًا وزجرًا” ا. هـ.[3] وفي الصيغة الكاملة الحديث الذي اشتهر منه جزء عدم منع النساء من المساجد: “لا تمنعُوا إماءَ اللهِ مساجدَ اللهِ ، وليخرُجنَ تفِلاتٍ” [أبو داود]. وجاء في شرح “عون المعبود” للآبادي: “اِمْرَأَة تَفِلَة إِذَا لَمْ تُطَيَّب وَنِسَاء تَفِلَات. وَإِنَّمَا أُمِرْنَ بِذَلِكَ وَنُهِينَ عَنْ التَّطَيُّب كَمَا فِي رِوَايَة مُسْلِم عَنْ زَيْنَب لِئَلَّا يُحَرِّكْنَ الرِّجَال بِطِيبِهِنَّ وَيَلْحَق بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمُحَرِّكَات لِدَاعِي الشَّهْوَة كَحُسْنِ الْمَلْبَس وَالتَّحَلِّي الَّذِي يَظْهَر أَثَره وَالزِّينَة الْفَاخِرَة. وَفَرَّقَ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء الْمَالِكِيَّة وَغَيْرهمْ بَيْن الشَّابَّة وَغَيْرهَا، وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهَا إِذَا عَرَتْ مِمَّا ذُكِرَ وَكَانَتْ مُسْتَتِرَة حَصَلَ الْأَمْن عَلَيْهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ” ا. هـ.[4]
وينبغي ألا يفوتنا أن نساء المصطفى عليه الصلاة والسلام أولى النساء بالسبق لرضوان الله تعالى، والمصطفى عليه الصلاة والسلام أحرص الخلق لا مراء على حث أهله على الخير؛ ويليهم أهل الرضوان من الصحابة وسلف خير القرون. فلو كان في مداومة النساء على شهود التراويح في رمضان أو حتى العشر الأواخر فحسب من الخير ما هو حقيق بأن يحوّله لظاهرة اجتماعية مطردة، لوردت الآثار قطعًا بعادة كتلك في فترة ما. وإنما وردت الوقائع دالة على السعة في كلا الوجهين، وعدم تحويل المسألة لميدان عداوة في الدين ناهيك أن تكون اعتداء عليه! من ذلك – مثلًا – ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها: “قَالَتْ اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي” [البخاري]. وفي واقعة أخرى تحكيها السيدة صفيّة عليها الرضوان، فتقول: “أنَّهَا جَاءَتْ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَزُورُهُ وهو مُعْتَكِفٌ في المَسْجِدِ، في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ معهَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حتَّى إذَا بَلَغَ قَرِيبًا مِن بَابِ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مَرَّ بهِما رَجُلَانِ مِنَ الأنْصَارِ، فَسَلَّما علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ نَفَذَا، فَقالَ لهما رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: علَى رِسْلِكُمَا، قالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ! وكَبُرَ عليهما ذلكَ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وإنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُما شيئًا” [البخاري]. ففيه أنها قامت “تنقلب” أي ترجع لدارها، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم “يقلبها” أي يردّها، وذلك في العشر الأواخر في رمضان، وعلى قرب بيوت أهله عليه الصلاة والسلام من المسجد!
وأما ما رواه البخاري من أن “النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كانَ إذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأَحْيَا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أهْلَهُ” فقد شرحه كذلك أهل العلم، منهم ابن حجر في فتح الباري، فيقول: ” قَوْله: (وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ لِلصَّلَاةِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَمُحَمَّد بْن نَصْر مِنْ حَدِيث زَيْنَب بْن أُمّ سَلَمَة ” لَمْ يَكُنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَان عَشْرَة أَيَّام يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَهْله يُطِيق الْقِيَام إِلَّا أَقَامَهُ ” قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اِعْتِزَالَهُ النِّسَاء كَانَ بِالِاعْتِكَافِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِ فِيهِ “َأَيْقَظَ أَهْلَهُ” فَإِنَّهُ يُشْعِر بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْبَيْت فَلَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا لَكَانَ فِي الْمَسْجِد وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ “اِعْتَكَفَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِمْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ”. وَعَلَى تَقْدِير أَنَّهُ لَمْ يَعْتَكِف أَحَدٌ مِنْهُنَّ فَيَحْتَمِل أَنْ يُوقِظَهُنَّ مِنْ مَوْضِعِهِ وَأَنْ يُوقِظَهُنَّ عِنْدَمَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ لِحَاجَتِهِ” ا.هـ.[5]
5. ختامًا
هذي دعوة لكل زوجين أن يتدبّرا في الوصية النبوية: “كلكم رَاعٍ، وكلكم مسؤول عن رَعِيَّتِهِ” [متفق عليه]. فكلاهما مسؤول عما فعل في نفسه وفي غيره، وكلاهما مطالب برعاية أهل بيته. فمن الرعاية – في هذا المقام – أن تراجع الزوجة زوجها بلطف فيما يشق عليها من أوامره ونواهيه، وتناقشه بالحسنى وتنأى عن العناد والجدال. ومن الرعاية أن يسمع الزوج لزوجته وقد سمع قبله مَن هو خير مِنه عليه الصلاة والسلام، بل وسمع الله رب العالمين للمُجادِلة التي أُنزِلت سورة بوصفها وافتُتِحت بشكواها! وقبل كل ذلك، عليهما معًا العناية بتعلم شرع الله تعالى وأحكامه وحدوده، في رَعِيّتهما ورعايتهما.
والله وليّ المؤمنين.



تعليقات
0