جريدة البديل السياسي |البديل الصحي

حملات موسمية

images-65-1-1024×586-1

جريدة البديل السياسي 

مع حلول شهر رمضان كل سنة، تتجند السلطات ولجان المراقبة لشن حملات بالأسواق والمحلات التجارية، لتتبع ومراقبة جودة وأسعار المواد الاستهلاكية، وكأن المغاربة يستهلكون فقط في هذا الشهر الفضيل، لأن هذه اللجان تغيب طوال باقي شهور السنة، حيث تصبح جيوب المغاربة فريسة للمضاربين و«الشناقة»، الذين يفرضون قوانينهم الخاصة بالأسواق.

ولاحظنا أنه مع اقتراب شهر رمضان عادت إلى الواجهة «الحملات الموسمية» لمراقبة الأسعار، وطيلة الشهر الفضيل، تتحرك لجان مختلطة تجوب الأسواق، وتحجز سلعا، وتحرر محاضر ضد المخالفين، وتصدر بلاغات تطمئن الرأي العام بوجود السلع واستقرار أسعارها، غير أن السؤال الذي يتكرر كل سنة: لماذا تظل مراقبة الأسعار موسمية في شهر رمضان فقط، فيما تظل جيوب المواطنين تكتوي بغلاء المعيشة في باقي أيام السنة؟

لقد أثبتت التجربة أن منطق «الحملة» لا يكفي لضبط سوق يعرف تعقيدات بنيوية، من تعدد الوسطاء و«الشناقة»، إلى ضعف الشفافية في سلاسل التوزيع، مرورا بالمضاربة وتخزين السلع، فالمضاربون لا يخافون من لجنة تظهر أسبوعا وتختفي أسابيع، بل يخافون من اعتماد منظومة دائمة للرصد والتتبع والزجر، والمستهلك لا يبحث عن صور لحملات موسمية يتم تسويقها عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، بل يبحث عن إجراءات وتدابير ملموسة تضمن استقرار الأسعار وحماية قدرته الشرائية طيلة السنة.

إن حماية القدرة الشرائية للمواطنين ليست حملة موسمية مرتبطة بمناسبة دينية يزداد فيها الاسـتهلاك، بل يجب أن تكون إحدى الركائز الأساسية لضمان الاستقرار الاجتماعي. وحين تتحول المراقبة إلى نشاط موسمي، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى المتحكمين في الأسواق هي أن الرقابة نفسها ظرفية، وأن الانفلات ممكن ما دام بعيدا عن «موسم الحملة».

الأمر لا يتعلق فقط بزجر المخالفين، بل بإعادة بناء منظومة كاملة تضمن الشفافية في مسالك التوزيع، ورقمنة مسارات السلع، ونشر معطيات دورية حول هوامش الربح، بالإضافة إلى تفعيل صلاحيات مجلس المنافسة، وكذلك جمعيات حماية المستهلك ينبغي أن تتحول من صوت موسمي إلى شريك مؤسساتي دائم في الرصد والتقييم.

وأكد التقرير السنوي لمجلس المنافسة، الذي رفعه رئيس المجلس، أحمد رحو، إلى الملك محمد السادس، أن تأمين الإمـدادات مـن المـواد الأوليـة والمنتجـات الأساسـية يمـر أساسـا عبر تقـنين أمثـل لسلاسـل التمويـن، يفصل بشـكل واضح بين الوسطاء والمضاربين، وحسب التقرير فإن ضمان فعاليـة وشـفافية سلاسـل التمويـن في الأسـواق، يقتضي معرفـة المتدخـلين وهوامش الربح المطبقة، والتحكم فيها، وذلك على امتداد هذه السلاسل.

فــضلا عــن ذلــك، يكــتسي تعزيــز مراقبــة الأســواق ضرورة أساســية لمحاربــة المضاربــة في الأسـعار والتلاعـب بهـا، ووضـع حـد لجميـع الممارسـات المقيـدة للمنافسـة، والتـي مـن شـأنها الإخلال بالعــرض وإلحــاق أضرار بالقــدرة الشرائية للمســتهلكين، كما يكــتسي ضمان شــفافية كل مرحلــة مــن مراحــل سلســلة التمويــن أهميــة بالغــة، خاصــة مــن خلال تحكــم أفضـل في هوامش الربح المطبقة.

إن الرهان اليوم ليس في عدد المحاضر المحررة، أو كميات السلع والمواد الاستهلاكية التي يتم إتلافها، بل في ترسيخ ثقافة سوق منظم يخضع لقواعد واضحة لا تتغير بتغير الفصول، فإما أن ننتقل من «حملات موسمية» إلى «يقظة دائمة»، من خلال وضع سياسة عمومية قائمة على الاستباق، عوض رد فعل ظرفي.

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي