جريدة البديل السياسي
حفل سياسي تنكري
قصة قصيرة / عبد المجيد طعام
كان “الديب” ، المكلف بالتنظيم، يتعامل مع الاجتماع الحزبي كما لو أنه يهيئ عرسا ديمقراطيا فاخرا يفوق كل الإعراس الديمقراطية التي نظمتها الأحزاب . لم يكن يعنيه أن يحضر المناضلون الحقيقيون . في السياسة، كما تعلم مبكرا، لا يهم أن يكون الشيء حقيقيا، المهم أن يظهر كذلك في الصور مثل أي حفل تنكري .
اتصل بمتعهد الحفلات، وسأله عن سعة القاعة. عدد الكراسي. موقع المنصة. ثم انتقل إلى التفاصيل الكبرى التي تصنع المجد النضالي: صور الزعماء التاريخيين، لافتات عن الكرامة والعدالة والديمقراطية والشفافية، أضواء مناسبة، مكبرات صوت قوية، ومنصة مرتفعة بما يكفي ليبدو الكاتب الأول أكبر من الحزب، وأطول من المناضلين، وأقرب إلى السماء من الناخبين.
وقف “الديب” فوق المنصة، وألقى نظرة على الكراسي الفارغة. كان الفراغ شاسعا وصادقا، وهذا أكثر ما أخافه. فالحزب الذي كان يتحدث عن الجماهير لم يعد يملك منها إلا صورتها القديمة في الأرشيف. أما الآن، فقد صار مثل كشك يفتح بابه عندما تقترب الانتخابات فقط . فتخرج منه وعود أشبه بالروائح الكريهة التي تخرج من المزابل .
اقترب منه المتعهد وهمس في أذنه بثقة رجل يعرف السوق جيدا:
لا تشغل بالك بالحضور. كل شيء محسوب.
اطمأن “الديب”. المسألة لم تعد سياسية، أصبحت لوجستية. ومنذ أن تحولت السياسة إلى لوجستيك وحسابات عددية ، صار بالإمكان كراء الحماس بالساعة، وشراء القناعة بالوجبات السريعة.
فتح المتعهد دفتره الصغير، وسأل ببرودة مهني محترف:
أي نوع من المناضلين تريدون؟ فهم “الديب” السؤال جيدا . تبادلا ابتسامة ماكرة . ثم شرع المتعهد يعرض خدماته بثقة رجل يعرف سوق السياسة جيدا:
لدينا جمهور التصفيق السريع. رخيص ومضمون. خمسون درهما للفرد في الساعة. يصفق عند كل جملة طويلة، خصوصا إذا لم يفهمها. ولدينا جمهور الشعارات، ثمنه أعلى قليلا، لأنه يحتاج إلى ذاكرة وصوت. وهناك جمهور الوجوه الجادة، مناسب للصفوف الأولى. يجلسون بوقار، يهزون رؤوسهم، ويمنحون اللقاء هيبة فكرية مزيفة. أما الشباب والنساء ، فلكل فئة تسعيرتها.
سأل “الديب” باهتمام: والمثقفون؟ هل لديكم عينة بثمن مناسب ؟
رد المتعهد: هؤلاء يطلبون ثمنا مرتفعا نسبيا. لا يتكلمون كثيرا، لكن وجودهم في الصور مفيد. وضع واحد منهم قرب المنصة يكفي ليبدو الحزب محترما. وإذا أردتم نقاشا مفتوحا، نوفر لكم أسئلة جاهزة تبدو عفوية. السؤال العفوي، كما تعلم، أغلى من التصفيق لأنه يحتاج إلى تدريب.
أعجب “الديب” بالدقة. وجد أمامه سوقا ديمقراطيا كاملا: شباب لإثبات الإيمان بالمستقبل، نساء لإظهار الالتزام بالمناصفة، مثقفون لإضفاء مسحة فكرية، وشيوخ لإعطاء الانطباع بأن للحزب جذورا في التاريخ. حتى الزغاريد لها ثمن، والصيحات لها ثمن، والحماس إذا طال أكثر من اللازم يحتسب خارج العرض.
لم ينس المنظم التفاصيل الحديثة. سأل ” الديب” عن المصورين، وعدد الهواتف التي ستبث مباشرة، والحسابات قادرة على تحويل التصفيق إلى “ترند”. أكد له المتعهد أن لديه مؤثرين لا يعرفون الحزب، لكنهم يجيدون كتابة عبارات من نوع: لحظة تاريخية، حضور جماهيري غير مسبوق، ورسالة قوية من القواعد.
مرت نصف ساعة على موعد اللقاء، ثم وصلت السيارات السوداء اللامعة. نزل الكاتب الأول للحزب، المناضل الصنديد والسياسي المحنك، يتقدمه مكتبه السياسي الذي يحقق المناصفة أمام الكاميرات بدقة رياضية مدهشة. كانت الوجوه موزعة بعناية، كما توزع الألوان في إعلان انتخابي: امرأة هنا، شاب هناك، وجوه أمازيغية في الخلفية، وخبير اقتصادي قرب الرئيس ليبدو الكلام قابلا للتصديق.
فجأة انفجرت القاعة. تصفيق، زغاريد، شعارات، فلاشات، وأيد ترتفع بحماس مدفوع مسبقا.
اعتلى الرئيس المنصة، عدل ربطة عنقه. وزع ابتسامته على الجهات الأربع، ثم بدأ خطابه بالنبرة التي لا تقول شيئا لكنها توحي بكل شيء: ” مناضلو ومناضلات حزبنا العتيد… إن حزبنا يضع الإنسان في صلب اهتماماته، ويؤمن بتنمية الرأسمال البشري، ويسعى إلى بناء دولة تأخذ قيمها من الاشتراكية الاجتماعية . لم نعد نعمل بالاشتراكية الطوباوية . لقد تجاوزها التاريخ . اشتراكيتنا براغماتية . لكل ذي حق حقه . لا تفرق بين الفقير والغني في الحقوق. التعليم للجميع والصحة “حتى هي” حزبنا سيغير القوانين لنعطي لأي مواطن الحق في أن يمرض ولا يموت … ولا يموت . صوتوا على حزبنا .. حزب الرماد ، من أجل مجتمع الكرامة والعدالة والإنصاف والمواطنة الحقة.وعاشت كرة القدم … ”
هز الحاضرون رؤوسهم بإعجاب منظم. صفق بعضهم عند عبارة الرأسمال البشري، والاشتراكية البراغماتية رغم أنهم لم يفهموا ولم يعرفوا ، هل الرئيس طرج مشروعا، أم قرضا، أم نوعا جديدا من الدعم. لكن المصطلحات الثقيلة تصلح دائما لصناعة الانبهار. كلما استعصى المعنى، تضخمت الهيبة.
استمر الخطاب أكثر من ساعة. كلمات ضخمة، جمل مطلية بصباغة مغرية ، وعود تلمع تحت الأضواء، مستقبل مشرق لكنه لا يصل أبدا، شعب واع لكنه لا يستشار إلا في الصناديق، تنمية شاملة لكنها لا تشمل إلا المقربين، وكرامة للجميع لكنها تؤجل عادة إلى الولاية المقبلة.
كان الكاتب الأول للحزب يتحدث عن المواطن كما يتحدث تاجر عن بضاعة. يرفع صوته عند العدالة، يخفضه عند الشفافية، ويبتسم عند الديمقراطية كأنه يعتذر لها في سره. أما “الديب” فكان يقف جانبا، يراقب القاعة بعين الذئب الذي يترك فريسته تعتاد الخوف قبل أن يأكلها.
انتهى اللقاء بسرعة غريبة ومملة . صافح الكاتب الأول بعض الوجوه المختارة، التقط صورا مع شباب تم استدعاؤهم خصيصا ليبدو الحزب حيا، ثم ابتسم للكاميرات ابتسامة رجل أدى واجبه الوطني في حفل سياسي تنكري.
ثم بدأ الحضور يغادرون. كل واحد أخذ نصيبه من الحماس المؤدى عنه . بعضهم قبض أجر التصفيق، بعضهم اكتفى بالوجبات الخفيفة، وبعضهم سأل المتعهد إن كان هناك لقاء آخر . وعدوه بالحضور مقابل تخفيضات في الثمن بمناسبة الصيف، لأنهم أدركوا أن السياسة لم تعد موقفا ولا فكرة. أضحت فرصة موسمية مثل الأعراس ومواسم التبوريدة والجنائز.
خارج القاعة الفارغة ، بقيت اللافتات معلقة. الكرامة ترفرف في الهواء، العدالة تتمايل فوق الباب، والشفافية مثبتة بخيط بلاستيكي قرب المدخل. كان المشهد مؤثرا إلى حد السخرية. داخل السيارة، خلع الكاتب الأول للحزب قناع الابتسامة، ونشر لحمه على المقعد الخلفي. اختفت النبرة الوقورة، وانطفأت ملامح المناضل. لم يبق سوى رجل متعب يريد ضبط حساباته.
التفت إلى المحاسب وقال بهدوء:
سجل ثلاثين ألف درهم على حساب الجماعة التي سأرأسها بعد الانتخابات.
رفع المحاسب رأسه قليلا، وقال: لكن سيدي، الانتخابات لم تجر بعد.
رد الرئيس وهو ينظر من النافذة إلى اللافتات: سجلها في بند التأطير والتكوين. صمت المحاسب، وكتب ما قيل له. أما الرأسمال البشري، فقد غادر القاعة على دفعات، وصفق طويلا للخطاب نفسه الذي سيدفع ثمنه لاحقا من جيبه.


تعليقات
0