جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

ثلاثية الإقصاء والتمكين والوعي … بقلم حميد شهبوني

Screenshot
Screenshot
جريدة البديل السياسي – بقلم حميد شهبوني
ثلاثية الإقصاء والتمكين والوعي
مدخل لفهم أزمة المجتمعات العربية والإسلامية
ليست أزمة المجتمعات العربية والإسلامية مجرد أزمة حكامة أو تدبير سياسي، بل هي في عمقها أزمة مركبة تتداخل فيها إرادة الإقصاء، واختلالات النخب، وضعف الوعي المجتمعي.
ففي كثير من السياقات، لا يكون التهميش نتيجة غياب الكفاءات أو انعدام المبادرات، بل قد يكون أحياناً تعبيراً عن إرادة ممنهجة لإبعاد أصوات لا تنسجم مع مراكز النفوذ، أو لا تخضع لحسابات المصالح والتحالفات. وهكذا تتحول مواقع المسؤولية إلى مجال لإعادة إنتاج الولاءات، بدل أن تكون فضاءً للتنافس على أساس الكفاءة والنزاهة والإنجاز.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحمّل الآخرين وحدهم مسؤولية الإقصاء؛ فبعض من يتعرضون للتهميش يرتكبون أخطاء في التقدير والتدبير والتواصل، وقد يعجزون عن بناء تحالفات مجتمعية واسعة، أو عن تحويل مظلوميتهم إلى مشروع إصلاحي مقنع. وهنا يجد الإقصاء أحياناً ثغرات يستغلها لتبرير نفسه واستمراره.
غير أن الحلقة الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة هي المجتمع نفسه؛ إذ لا يمكن تجاهل وجود شرائح واسعة لم تتوفر لها بعد أدوات الوعي النقدي التي تمكنها من التمييز بين من يخدم المصلحة العامة ومن يوظف الخطاب الوطني لخدمة مصالحه الخاصة، وبين صاحب المشروع وصاحب الشعارات، وبين الاختلاف المسؤول والتضليل المتعمد.
وهنا نستحضر المفكر والمربي البرازيلي باولو فريري، صاحب كتاب «تعليم المقهورين»، الذي جعل من الوعي النقدي مدخلاً أساسياً لتحرير الإنسان من الخضوع والتبعية. ففريري لم يكن ينظر إلى الإنسان باعتباره مجرد متلقٍ للأفكار والمعلومات، بل باعتباره فاعلاً قادراً على قراءة واقعه، وفهم علاقات القوة داخله، والتساؤل حول أسباب الظلم، والمشاركة في تغييره.
ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع الذي لا يتعلم كيف يفكر نقدياً، قد يتحول إلى بيئة يسهل فيها تسويق الوهم، وتبرير الإقصاء، وتزييف الحقائق. وقد يحدث أن يُحاصر صاحب المبادرة، بينما يُصفق لصاحب الخطاب، وأن يُساء فهم النقد باعتباره عداءً، وأن تتحول الولاءات الشخصية إلى معيار للحكم على المواقف.
إن استحضار فكر فريري يقودنا إلى سؤال جوهري: هل نريد مجتمعاً يكتفي بتلقي الخطابات، أم مجتمعاً يمتلك القدرة على مساءلتها وتحليلها ومحاسبة أصحابها؟
إن الخروج من هذه الأزمة يقتضي معالجة ثلاث حلقات مترابطة:
أولاً: مواجهة الإقصاء، عبر ترسيخ المؤسسات العادلة، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالكفاءة، وحماية الحق في الاختلاف والنقد.
ثانياً: تمكين النخب، من خلال مراجعة أخطائها، وتطوير أدوات اشتغالها، والانتقال من منطق رد الفعل والدفاع عن المواقع إلى منطق المبادرة وبناء المشاريع والإقناع المجتمعي.
ثالثاً: بناء الوعي النقدي، عبر التربية والتعليم والإعلام والثقافة والعمل المدني والسياسي، حتى يصبح المواطن قادراً على التمييز بين الخطاب والممارسة، وبين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس وجود من يمارس الإقصاء وحده، بل أن يصبح الإقصاء أمراً عادياً في نظر الناس، وأن يفقد المجتمع قدرته على اكتشافه ومقاومته.
فالأوطان لا تُبنى بإقصاء المختلفين، ولا بتقديس الأشخاص، ولا بتبادل الاتهامات، وإنما ببناء مؤسسات تحتضن الكفاءات، ونخب تمتلك الشجاعة لمراجعة أخطائها، ومجتمع يمتلك من الوعي ما يجعله شريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد متفرج على صراعات الآخرين.
فالتمكين بلا وعي قد يعيد إنتاج الاستبداد، والوعي بلا مؤسسات قد يبقى مجرد احتجاج، ومواجهة الإقصاء بلا مراجعة ذاتية قد تتحول إلى صراع على المواقع لا إلى مشروع للإصلاح.
إنها ثلاثية لا يمكن فصل حلقاتها: الإقصاء الذي ينبغي تفكيكه، والتمكين الذي ينبغي ترشيده، والوعي الذي ينبغي تحريره.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا جميعاً هو: هل مشكلتنا أننا لا نملك من يستحق قيادة التغيير، أم أننا لم نبن بعد مجتمعاً قادراً على اكتشاف من يستحقها ومحاسبته؟

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي