جريدة البديل السياسي -بقلم / حليمة صومعي.
أثارت الإجراءات المعتمدة خلال امتحانات البكالوريا دورة يونيو 2026 موجة من النقاش والجدل في الأوساط التربوية والحقوقية، بعد تداول صور ومقاطع توثق لعمليات تفتيش وإخضاع مترشحين ومترشحات لإجراءات أمنية مشددة داخل بعض مراكز الامتحان، في إطار الجهود الرامية إلى الحد من ظاهرة الغش باستعمال الوسائل الإلكترونية.
ورغم الإجماع الواسع على ضرورة حماية مصداقية الامتحانات الوطنية وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين، فإن الطريقة التي جرى بها تنفيذ بعض عمليات المراقبة والتفتيش فتحت الباب أمام تساؤلات متعددة حول مدى احترام حقوق الأطفال والقاصرين، خاصة في ظل حساسية المرحلة التي يمر منها التلميذ خلال اجتياز امتحان يعد من أبرز المحطات الدراسية في مساره التعليمي. وتساءل متابعون للشأن التربوي عن الحدود الفاصلة بين الإجراءات الوقائية المشروعة لمحاربة الغش وبين ضرورة الحفاظ على كرامة التلاميذ وحقهم في الخصوصية، معتبرين أن محاربة الغش لا ينبغي أن تتحول إلى ممارسات قد تترك آثاراً نفسية سلبية على المترشحين أو تجعلهم يشعرون بأنهم موضع اشتباه جماعي قبل دخول قاعات الامتحان.
كما أثار تداول صور ومقاطع تخص تلاميذاً قاصرين داخل محيط مراكز الامتحان نقاشاً قانونياً وحقوقياً حول مدى احترام الحق في الصورة والحياة الخاصة، خاصة أن عدداً من الأصوات الحقوقية تعتبر أن نشر صور الأطفال والقاصرين يستوجب ضوابط قانونية وأخلاقية واضحة تحميهم من أي استغلال أو إساءة محتملة. من جهة أخرى، يرى مختصون في التربية وعلم النفس أن المناخ النفسي الذي يرافق الامتحانات يلعب دوراً أساسياً في أداء المترشحين، مؤكدين أن ارتفاع مستويات التوتر والضغط قد يؤثر سلباً على التركيز واستحضار المعارف المكتسبة، وهو ما يجعل توفير بيئة تربوية مطمئنة ومتوازنة جزءاً أساسياً من شروط النجاح. وفي خضم هذا الجدل، طُرحت تساؤلات حول مدى فعالية بعض الوسائل التقنية المعتمدة للكشف عن أدوات الغش، خاصة بعد تداول شهادات تتحدث عن ضبط حالات غش باستعمال هواتف وأجهزة إلكترونية رغم المرور عبر إجراءات المراقبة المعتمدة، ما يفتح النقاش حول تقييم مردودية هذه الوسائل وحجم الاستثمارات الموجهة إليها.
كما أعادت هذه التطورات إلى الواجهة النقاش المرتبط بأولويات إصلاح المنظومة التعليمية، حيث يرى عدد من الفاعلين أن المدرسة العمومية ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والتجهيزات والاكتظاظ وجودة التعلمات، وهي ملفات لا تقل أهمية عن ملف تأمين الامتحانات ومحاربة الغش.
ويؤكد متابعون أن الرهان الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين نزاهة الامتحان واحترام الحقوق الأساسية للمتعلمين، باعتبار أن المدرسة فضاء للتربية وبناء الثقة وترسيخ قيم المسؤولية، وليس مجرد فضاء للمراقبة والعقاب. فنجاح أي سياسة لمحاربة الغش يظل مرتبطاً بقدرتها على حماية مصداقية الشهادة الوطنية دون المساس بكرامة التلميذ أو حقوقه المكفولة قانوناً.
ويبقى النقاش مفتوحاً حول الكيفية التي يمكن من خلالها تطوير آليات المراقبة والتأمين داخل مراكز الامتحان بما يضمن الفعالية من جهة، ويحافظ على كرامة وحقوق المترشحين من جهة أخرى، في إطار مدرسة عمومية تجعل من المتعلم محور العملية التعليمية وشريكاً في بناء الثقة، لا موضوعاً دائماً للاشتباه.


تعليقات
0