جريدة البديل السياسي |البديل الاقتصادي

المغرب.. تراجع التضخم في سنة 2025 بعد سنوات من الضغوط على الأسعار

303-780×470-1

جريدة البديل السياسي 

بعد سنوات اتسمت بضغوط قوية على الأسعار، أكد التضخم في المغرب انخفاضه الواضح خلال سنة 2025، ليستقر عند مستوى منخفض تاريخيا، ما يعكس انتصارا تدريجيا في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.

وحسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط، فقد ارتفع متوسط الرقم الاستدلالي السنوي للأثمان عند الاستهلاك بنسبة 0,8 في المئة في سنة 2025 مقارنة بسنة 2024. وقد نتجت هذه الزيادة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 0,8 في المئة، والمواد غير الغذائية بنسبة 0,5 في المئة.

وتعكس هذه الأرقام تراجعا تدريجيا للتوترات في الأسواق بعد سنوات هيمن فيها ارتفاع أسعار المواد الأولية، وأزمة الطاقة، والاضطرابات اللوجستية العالمية.

انخفاض التضخم بدعم من عوامل خارجية وداخلية

يكشف التحليل القطاعي عن ديناميات متباينة. فقد انخفضت أسعار النقل بنسبة 2.6 في المئة، مما ساهم في تخفيف حدة الاتجاه العام للرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك. ويعكس هذا الانخفاض بشكل أساسي انخفاض تكاليف الطاقة في الأسواق الدولية.

في المقابل، ارتفعت الأسعار في قطاع “المطاعم والفنادق” بنسبة 3.3 في المئة، مما يعكس تعديل الأسعار في قطاع الخدمات، الأكثر تأثرا بكلفة الأجور، بالإضافة إلى انتعاش الطلب.

كما ارتفع مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستثني المواد ذات الأثمان المحددة والمواد ذات التقلبات العالية، بنسبة 0.8 في المئة، مما يؤكد أن الضغوط المتبقية لا تزال تحت السيطرة وغير معممة.

وفي هذا الصدد، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن هذه التطورات تُشكل “عنصرا إيجابيا للغاية بالنسبة للاقتصاد المغربي”. وأضاف “يمكننا اعتبار أن موجة التضخم قد انتهت”، مؤكداً أن هذا الهدوء يستند إلى أسس متينة.

وأوضح أن ” المغرب يستورد الجزء الأكبر من احتياجاته من الطاقة. ومع ذلك، فإن أسعار النفط تتطور حاليا بمستويات تعتبر ملائمة، مما يجعل الولوج إلى الطاقة أكثر استدامة بالنسبة للفاعلين في القطاع الصناعي والأسر على حد سواء”.

وينضاف إلى ذلك عودة سلاسل التوريد الدولية إلى وضعها الطبيعي، بعد أن تعطلت لفترة طويلة بسبب الجائحة والتوترات الجيوسياسية. وقد عادت المواد الأولية إلى مستويات أكثر توازنا، مما خفف الضغط على تكاليف الإنتاج، وبالتالي على أسعار الاستهلاك.

تعزيز المصداقية النقدية

تؤكد تحليلات بنك المغرب هذه الدينامية التيسيرية. ويوضح البنك المركزي أن التضخم ظل منخفضا في سنة 2025، مدعوما بتحسن العرض الغذائي، وانخفاض أسعار الطاقة، ونمو الطلب الداخلي بوتيرة متحكم فيها.

ويظهر الحفاظ على مؤشر التضخم الأساسي دون مستوى 1 في المئة غياب ضغوط هيكلية مستدامة. ويعكس ذلك أيضًا مصداقية السياسة النقدية المتبعة في السنوات الأخيرة.

ومن خلال اتباع نهج حذر، نجح بنك المغرب في احتواء التوقعات التضخمية دون التسبب في تباطؤ مفرط للنشاط الاقتصادي. ويُجسّد الحفاظ على سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى يعتبر مناسبا هذا السعي لتحقيق التوازن بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.

هل نسير في اتجاه دورة نمو إيجابية؟

يشكل استقرار الأسعار بداية مرحلة جديدة. وحسب السيد جدري، فإن “التحكم في التضخم يمنح رؤية واضحة للفاعلين الاقتصاديين ويعيد بناء الثقة”. وتعتبر هذه الرؤية الواضحة حاسمة بالنسبة للاستثمار المنتج، الذي غالبا ما يتم تأجيله في الفترات المتسمة بعدم اليقين بشأن التكاليف.

ومن شأن التحسن التدريجي للقدرة الشرائية أن يدعم بدوره الطلب الداخلي. إذ أن استهلاكا أكثر ديناميكية يحفز الإنتاج، ويسهم في خلق القيمة المضافة وتعزيز إحداث فرص الشغل.

وفي هذا الصدد، سجل الخبير الاقتصادي أن “الأسر تستهلك أكثر، والمقاولات تنتج أكثر وتستثمر وتوظف. وهكذا، يتم ضخ موارد إضافية في الدورة الاقتصادية الوطنية”.

وفي سياق يظل فيه النمو بالمغرب معتمدا جزئيا على الطلب الداخلي، يمكن لهذه الدينامية أن تشكل رافعة مهمة لتسريع وتيرة النمو.

وبالنسبة لسنة 2026، يتوقع بنك المغرب ارتفاعا طفيفا في معدل التضخم في حدود 1,3 في المائة، وهو مستوى يظل متوافقا مع استقرار الأسعار وقريبا من المعايير الدولية ذات الصلة بالتوازنات الماكرو-اقتصادية.

ومع ذلك، يظل المسار المستقبلي رهينا بعدة عوامل خارجية. فبالنظر إلى أن التضخم في المغرب يعد في جزء كبير منه مستوردا، فإن أي تقلب في الأسعار الدولية للطاقة أو المواد الأولية قد ينعكس بسرعة على الأسعار المحلية.

كما تشكل الظروف المناخية، الحاسمة بالنسبة للإنتاج الفلاحي وبالتالي لأسعار المواد الغذائية، عاملا رئيسيا في هذا الإطار.

وإجمالا، تكرس سنة 2025 عودة المغرب إلى نظام تضخم منخفض ومتحكم فيه. ويعزز هذا التطور الاستقرار الماكرو-اقتصادي للمملكة ويوطد مصداقية مؤسساتها الاقتصادية.

وعلى الرغم من استمرار المخاطر الخارجية في بيئة دولية لا تزال مطبوعة بعدم اليقين، فإن المؤشرات الحالية تشير إلى أن مرحلة التضخم الاستثنائية التي طبعت السنوات الأخيرة أصبحت من الماضي، مما يفتح المجال أمام مرحلة نمو أكثر قابلية للاستشراف.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي