جريدة البديل السياسي
أكرم قروع. بلاغة الرثاء في شعر النساء.
يعد الرثاء من أصدق الأغراض الشعرية في الأدب العربي، وقد برعت فيه عدد من الشاعرات عبر التاريخ، حتى صار بعضهن رمزًا للحزن الإنساني الصادق.
ونذكر على سبيل المثال لا الحصر: الخنساء، ليلى الأخيلية، عاتكة بنت زيد،.. إن لكل نص أدبي مهما كان نوعه، شعرا أو نثرا، مرجعياتٍ تؤطره، وقواعدَ ومبادئَ تحكمه.
وإذا أردنا البحث عن هذه المرجعيات الأدبية، فهناك مسلكان اثنان، مسلكٌ يتناول المبادئ المحددة للتوجهات العامة في الأدب، أو التوجهات التي تميز بها عصر من العصور التاريخية، كالعصر الجاهلي مثلا.
ومسلكٌ آخر يتناول المرجعيات الفنية المؤطرة للنصوص الأدبية بحد ذاتها. وبما أن الأدب بصفة عامة، يتميز بمرجعيته الفنية، فإننا نقصد بمرجعيات الخطاب الأدبي، في هذا المقام، تلك القواعد والمبادئ الفنية والجمالية، التي يُبنى عليها نص أدبي ما، من أجل تحقيق الوظيفة التأثيرية والإمتاعية في القارئ أو المتلقي، والمتجلية في التأثير على مشاعره وعواطفه، وجعلِه يرتبط ويستجيب لما يريد النص الأدبي تبليغه.
ولن يتأتى هذا إلا باستخدام آليات بلاغية تقوم بإمتاع القارئ من جهة، والاستحواذ على فكره ومخيلته وعاطفته من جهة أخرى. في هذا السياق، ارتأيت أن أُفرد مقالا تحليليا، أتناول فيه قصيدة “أول الرثاء” لشاعرة من شرق المغرب، وهي الشاعرة البتول محجوبي، وذلك من زاوية الكشف عن المرجعية الفنية المؤطرة لهذا النص الشعري، وكذا عن أهم خصائصه التأثيرية والجمالية. مراعيا أمرا هاما، وهو أن البحث في المرجعيات الفنية للخطاب الأدبي، يبقى مسألة إشكالية ومعقدة. وما بالك بالنص الشعري الذي يتميز بشكل كبير، بالموسيقى وطبيعته الغنائية. يقول الشاعر المغربي الكبير، محمد علي الرباوي، مقدما للديوان الشعري لصاحبته البتول محجوبي، والذي أخذنا منه قصيدة “أول الرثاء” موضوع هذه الدراسة: “تنتمي الشاعرة البتول إلى جيل من الشعراء برز مع الألفية الثانية من هذا القرن.
ساد في شعر هذا الجيل قصيدة النثر، وهذه السيادة لا تعني غياب القصيدة العمودية والقصيدة الحرة، وإنما تعني أن الإعلام اهتم بهذا الشكل الشعري الأصعب. لكن الممارسين له ظنوه سهلا، فكثر بينهم أشباه الشعراء.
مع هذا الجيل سيظهر جيلٌ تمسك بالقصيدة العمودية، وساهم برنامج أمير الشعراء في الترويج لهم.
والجميل في شعر هذا الجيل، أنه في نماذجه الشعرية الجيدة، نسج قصيدته بنسيج العصر، وكأني بهذا الجيل قد خرج من معطف نزار قباني، مع حضور رائحة سعيد عقل”. نستنتج من هذا الكلام، بأننا يمكن اعتبار البتول محجوبي، من شاعرات المغرب القلائل، اللواتي مازجن بين الشكل الكلاسيكي العمودي للقصيدة العربية، والشكل التفعيلي أو الشعر الحر.
والقصيدة التي سنقوم بتحليلها في هذا الصدد، تنتمي إلى قصائد الشعر العمودي. فقصيدة “أول الرثاء”، نصّ شعري مؤثر وعميق الإحساس، تظهر فيها ملامح فنية وإنسانية واضحة. وأول ما أثار انتباهي وأنا أقرأ هذه القصيدة، هو غلبة اتجاه فكري يقدّس العاطفة، ويجعل من التجربة الذاتية مركزًا للتعبير الشعري، وهذا الاتجاه قريب من الاتجاه الوجداني الرومانسي في الشعر العربي الحديث.
إن الرثاء، هو البكاء على الأموات، وذكر مناقبهم. فقد أورد الزبيدي في تاج العروس: رثأتُ الرجل بعد موته رثاءً أي مدحته. ويرى شوقي ضيف، أن الرثاء هو “الإفصاح عن إحساس الناس العميق بالحزن على الموتى، ومحاولة ذكراهم بتمجيدهم، وبيان فضائلهم التي ماتت بموتهم، مع التفكير في القدر، وقصور الناس أمامه”.
من هذا المنطلق، فالقصيدة تنتمي فكريًا وفنيًا إلى المدرسة الرومانسية الحديثة في الشعر العربي، التي تمزج بين الإحساس الإنساني العميق والخيال المترف بالصور الطبيعية. فالشاعرة ترثي أمها المتوفاة بهذه القصيدة التي تنبع من وجدانها الخاص، لا من تجربة عامة.
وهذا من جوهر فكر الاتجاه الرومانسي الذي يدعو إلى الشعر الذاتي الصادق. كما أن الطبيعة بوصفها مرآة للوجدان تتفاعل مع حالة الشاعرة: “الكون هلّل والسماء تفتّحت” وهذا الأسلوب الرمزي في توظيف الطبيعة من صميم الشعر الذاتي.
وتسود القصيدة رؤية روحانية متسامية ترى في الموت بداية حياة أسمى وهي خاصية مكررة في قصائد بعض الشعراء الذاتيين مثل أبي القاسم الشابي وإبراهيم ناجي: “إن الجنان لمثل روحك أزلفت / فتجمّلي وتأنّثي وتدلّلي” إن الاتجاه الرومانسي أولى اهتمامًا كبيرًا بـالموسيقى الداخلية، أي الجرس والإيقاع الناتج عن التكرار والتنغيم، حيث الإيقاع يخدم المعنى ويوصل الإحساس بالسكينة والجمال، وهذا واضح في عدة أبيات مثل: “فتجمّلي، وتأنّثي، وتدلّلي” على العموم، فالقصيدة تندرج ضمن شعر الرثاء الوجداني، فهي ليست مجرد تأبينٍ عادي للأم، بل هي تجربة شخصية مشحونة بالعاطفة، تعبر عن الألم والفقد والحب الخالص.
هذا التركيز على العاطفة الفردية والتجربة الذاتية هو من سمات المدرسة الرومانسية.
إن الشاعرة لا ترى الموت نهاية، بل انتقالًا إلى حياة أسمى: “طيري على سرر الإله يمامة / تشدو: لقد نلت النعيم وحق لي” هذا التصوير الروحي والتسامح مع الموت يعكس نظرة مثالية وجدانية للوجود والروح. وفي الأبيات الأخيرة تتجلى الطبيعة مثل كائن متفاعل مع الشاعر: “ولّى الشتاء بليله وصقيعه / والآن يعتدل الربيع فأقبلي” الطبيعة هنا ليست مجرد مرجعية، بل رمز لتجدّد الحياة والأمل، وهي من أبرز سمات الرومانسية. فالقصيدة لا تسعى إلى الحكمة أو الموعظة، بل تنقل تجربة عاطفية خالصة بلغة وجدانية، وهذا ما يميز الشعر الرومانسي عن الكلاسيكي أو الواقعي.
تنطلق الكتابة الإبداعية في قصيدة “أول الرثاء”، من منطلق البوح الذي يتخذ مستويات متعددة، من بينها البوح الانهزامي الذي يجعل الذات مسكونة بهاجس الألم والمعاناة، فالمرأة المبدعة عندما تفكر في البوح كتابةً، فإنها تسعى للوقوف أولا على الواقع الذي تحياه، وتعيش تفاصيله اليومية من موقع حضورها، محاولة الغوص في عمق المشكلات. وأنا أقرأ هذه القصيدة ، أحسست وكأني أبحر في عوالم الانكسار بكل تجلياته، فهو انكسار الذات المبدعة أمام أقوى سلطة في الوجود وهي سلطة الموت، وانكسار الأنثى التي تنحني أمام الفراق مستسلمة للوجع والألم. فالانكسار أمام الموت هو استسلام للقضاء والقدر، إذ لا ينفع معهما توسل ولا رجاء، وهو انكسار تستهل به الشاعرة ديوانها بأول الرثاء، داعية المتلقي إلى انتظار مراثي أخرى. وقد جاءت هذه القصيدة مشحونة بأشجان طفلة مكلومة ومؤمنة.
تقول الشاعرة: “إنِّي بوعد اللهِ أُومِن طَاعَة لكن فقَدكِ يا أُمَيْمَةَ يَبتَلي گسرْتُ ثوب الصّمتِ يَوم أَظلّنا شَبحُ المنُون وقدْ دَعاكِ لترحلي” يقوم هذا المبدأ في هذه القصيدة، عموما، على الموسيقى العذبة، والصورة الرمزية، والتوازن بين الحزن والجمال.
كما أن اللغة الشعرية رفيعة وهادئة، فالألفاظ مختارة بعناية ولا يوجد صخب أو تعقيد، بل نغمة حزينة متأنقة (گسرْتُ ثوب الصّمتِ يَوم أَظلّنا،شَبحُ المنُون وقدْ دَعاكِ لترحلي)، هنا يجسد الموت “شبحًا”، والصمت “ثوبًا”، وهذا تشخيص رمزي بديع.
وقد اعتمدت البتول على بعض التقنيات الأسلوبية والخصائص الفنية مثل الحوار (خصوصا مع أمها الراحلة)، الذي أضفى على النص الشعري صبغة جمالية. كما حاولت صياغة القصيدة باعتماد مرجعيات وتناصات مع نصوص قرآنية، مثلا في استدعائها لمريم العذراء في حادثة هز الجذع، قائلةً: “هزي إليـك بكل جذع مثمـر تسَّاقطِ الـرطب الدواني مـن علِ” فيما يخص الموسيقى، فقد توسلت البتول، بأحد البحور الشعرية الأكثر استعمالا في التراث الشعري القديم، وهو بحر الكامل، هذا الأخير يمنح القصيدة نغمة رثائية حزينة ومتماسكة.
كما أن التكرار الصوتي لحروف مثل اللام والياء يخلق أنينًا موسيقيًا ناعمًا يناسب جو الرثاء. إن القصيدة، من المطلع إلى الخاتمة، تحافظ على موضوع واحد متطور، من الحزن إلى الرضا، ومن الفقد إلى الإيمان بلقاءٍ أجمل، وهذا يحقق مبدأ الوحدة العضوية الذي تؤمن به المدارس الحديثة في الشعر، كما تمت الإشارة إليه سلفا.
رغم شدة الألم الذي احست به الشاعرة عند فقد أمها،فإن إيمانها بقضاء الله وقدره لا يغيب في هذه المحنة الشديدة، مما يعني أن هناك توازنا معقولا بين العاطفة والفكر، فالجمال الفني هنا يقوم على السمو الروحي لا على البكاء وحده: “إني بوعد الله أومن طاعةً” “إن الجنان لمثل روحك أزلفت” قصيدة “أول الرثاء” تعتمد على العاطفة الرقيقة والتصوير البلاغي الوجداني، الذي يخاطب إحساس القارئ أكثر من عقله.
محققة بذلك ،التأثير والإمتاع العاطفي والفني. وفيما يلي، جرد لأهم الوسائل البلاغية، التي توسلت بها البتول، من أجل التعبير عن ما يخالج صدرها من وجع وانكسار ورضى بقضاء الله تعالى وقدره. يقول عبد القاهر الجرجاني في كتابه :أسرار البلاغة”، متحدثا عن الاستعارة: “أما الاستعارة فهي ضرب من التشبيه، ونمط من التمثيل، والتشبيه قياس، والقياس يجري فيما تعيه القلوب، وتدركه العقول، وتستفتى فيه الأفهام والأذهان، لا الأسماع والآذان”.
فمن الصور البيانية الأكثر استعمالا في هذه القصيدة نجد الاستعارة، التي تعد أهم ركائز التصوير الفني.
ومن الصور الاستعارية التي استخدمتها الشاعرة في تجسيد مشاعر الأسى والحزن نجد الاستعارة في قولها: “نطق المغيب بوعده فترجلي” المغيب (الغروب) شُخّص هنا مثل كائن ينطق ويَعِد، وهي استعارة مكنية توحي بأن لحظة الموت ليست فناء، بل “وعد” بلقاءٍ أبدي. هذه الاستعارة تُشعر القارئ بالسكينة والقبول بدل الخوف، فالموت صار وعدًا لا نهاية. “كسرتُ ثوب الصمت” الصمت صُوِّر مثل ثوب يُكسر، وهو تعبير بليغ عن انفجار الحزن بعد الكتمان. فهو يقرّب الإحساس الإنساني بالاختناق ثم الانفجار، فيلامس عاطفة الفقد والاشتياق.
. -التشخيص وإضفاء الحياة على الجماد: “شبح المنون وقد دعاك لترحلي” “تبكيك يا أمي المنازل كلها” “ما زال عطر الباب يحرس شوقه” في هذه المقاطع، الموت، والمنازل، والعطر تتحول إلى كائنات حية تشارك الشاعر حزنه. مما يجعل الحزن جماعيًا وكأن الكون كله ينوح مع الشاعرة، مما يضاعف التأثير الوجداني. -الكناية: “هزي إليك بكل جذع مثمر” هذه العبارة كناية عن الخير والرزق والطمأنينة في الجنة، وهي تذكير بقصة مريم عليهاالسلام.
كما أنها توحي بالنقاء والطهر، وتمنح الأم الميتة هالة من القداسة والسكينة. “قري عيونا لا يغيض معينها” هذا التعبير كناية عن الراحة الأبدية في الجنة، فهو يخلق طمأنينة للقلب بعد موجة الحزن، فيتحقق التوازن بين الألم والرجاء. -التكرار أو الإيقاع النفسي: “تجمّلي، وتأنّثي، وتدلّلي” التكرار هنا موسيقي، لكنه عاطفي بالدرجة الأولى، يعكس لهفة الشاعرة وتعلّقَها الوجداني بأمها، إذ يثير العاطفة ويزيد النغمة الغنائية الحزينة جمالًا واتساقًا. -المقابلة أو التضاد المعنوي: “ولّى الشتاء بليله وصقيعه / والآن يعتدل الربيع فأقبلي” التضاد بين الشتاء والربيع، الليل والاعتدال، يرمز إلى الانتقال من الحزن إلى الأمل، ومن الموت إلى الخلود. فهو يمنح القصيدة حركة وجدانية تصعد بالقارئ من الألم إلى الرجاء. –
النداء: أسلوب العاطفة المباشرة: “يا أمي” إن النداء المتكرر في القصيدة يبني حوارًا عاطفيًا بين البتول وأمها الراحلة، مما يقرّب النص من روح الدعاء والمناجاة، فيتفاعل القارئ معه وجدانيًا كما لو كان يخاطب من يحب. -الترادف العاطفي: الألفاظ مثل: تجمّلي، تدلّلي، صباه، مثمر، نعيم، الريان، منهلي…،كلها كلمات مشبعة بالأنوثة والحنان والنقاء، وتمنح القصيدة طابعًا أموميًا حنونًا، يذكّر القارئ بحب الأم وعطائها الأبدي الذي لا ينضب.
من كل ما سبق، نخلص إلى أن القصيدة تمزج بين البلاغة الهادئة والعاطفة الصادقة. فجمالها لا يقوم على الزخرفة اللفظية، بل على صدق الشعور الذي تسنده صور بلاغية راقية تخاطب القلب قبل العقل.
ولهذا فهي نموذج رائع للبيان العاطفي الجمالي، الذي يُمتِع لأنه يُحسّ، لا لأنه يُفسَّر. قصيدة «أوّل الرثاء» هي رثاء وجدانيّ رومانسي، تمثّل المدرسة الرومانسية في أبهى صورها.
فهي شعرٌ صادقُ العاطفة، رقيق الإيقاع، مشبع بالروح الإيمانية والجمال الفني، يجعل من الحزن لحظة سموٍّ روحي، لا انكسارًا.
القصيدة تعبر عن تجربة ذاتية مؤمنة بالخلود والحب الروحي، كما أن الشاعرة استخدمت الصورة والرمز والنغمة لإبراز الحزن في شكل فني جميل.
وتكمن بلاغة الرثاء في تعبير الشاعرة، وتصويرها لحزنها بطريقة صادقة غير مبالغ فيها، لأنها مشاعر تنبع من قلب محب صادق متألم، ومتأثر بفراق أحب إنسان على قلبها.
وقد جاءت الألفاظ قوية وسلسة لا تحمل الكثير من التعقيد.
كما أن جلَّ الصور الفنية المستعملة تقليدية أصيلة، نلمس فيها حضورا بارزا للتراث الإسلامي الراقي.
وتضمنت هذه القصيدة العديد من الصور البلاغية والبديعية، وهذا التوزيع زاد من جمال القصيدة، وقد ساعدت على إظهار الصورة النفسية الحزينة، ومعاناة الشاعرة مع الفقد دون مبالغة.
إن البتول تعبّر عن عاطفة صادقة وتجربة ذاتية مرتبطة بالفقد والخلود، جامعة في ذلك بين الموسيقى العذبة والطبيعة الحيّة والنزعة الروحية.
كما أنها قامت بتوظيف الصورة والرمز لخدمة العاطفة لا الفكرة، مما ساهم في إذكاء الجمال العاطفي الرمزي والموسيقى الداخلية للقصيدة.
وأخيرا يمكننا القول، إن قصيدة «أول الرثاء» لزميلتنا المحترمة البتول محجوبي، تمثّل تطوّر الرثاء العربي من الحزن القبلي إلى الحزن الإنساني، حيث قديما كان الرثاء صوت القبيلة، و كان في معظمه تعبيرًا عن الفخر والقبيلة أكثر من كونه عن الحزن الشخصي.
أما حديثا فقد أصبح الرثاء صوت القلب، وتعبيرا عن تجربة إنسانية مفعمة بالأحاسيس الجياشة الصادقة، التي تترك أثرا بالغا في نفس القارئ أو المتلقي، فتستحوذ على إدراكه أولا، ثم مشاعره ثانيا.
وهنا يتجلّى جمال هذه القصيدة التي بين أيدينا، حيث لا ترثي الشاعرة الموت، بل تحتفل بالحياة التي تظل بعد وفاة والدتها في الذاكرة والروح.
قصيدة أول الرثاء .
نطق المغيب بوعده فترج ـلي .
عن صهوة الدنيا ولا تتعجــلي
إني بوعـد الله أومـن طاعــــــةً
لكنَّ فقدك يا أميمة يبتـــــــلي
كسَّرتُ ثوب الصمت يوم أظلَّـنا
شبح المنون وقد دعاك لترحلي
أدري بأن الموت موردنا معاً
لكن فجـأته تهـب فنصطلي
تبكيـك يا أمـي المنازل كلها
أفلا مررت على الديار لتسألي؟
كل البـلاد هنا تغيَّـر لونهــا
إلا عيـــونك بعـــدُ لــم تـتـبدل
ما زال عطر الباب يحرس شوقه
ما خف عبء الشوق عنه وما بلي
ردي إلـيـه صبـاه أقـبـل متعـبـا
ودعي الكآبة عن فؤادي تنجـلي
ولَّــى الشـتـاء بـليـلـه وصقـيعه
والآن يعتــدل الربيع فأقبــلــي
الكون هلل والسماء تـفــتَّحت
يوم ارتقت لله روحك تعـتلي
طيري على سرر الإله يـمامة
تشدو: لقد نلت النعيم وحق لي
إن الجنان لمثل روحك أزلفت
فـتجـمـلي
وتأنَّثي
وتدللـي
هزي إليـك بكل جذع مثمـر
تسَّاقطِ الـرطب الدواني مـن علِ
قَرِّي عيونا لا يغيض معينها
يجري بها الريان شوقا فانهلي
أنت الحبيبة والقريبة والـوفا
والمنبع الفياض أنت ومنهلي
أمي لئن عــز الوصال فإنني
أحيا عـلـى أمــل اللـقاء الأجـمـل


تعليقات
0