جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

اصلاح منظمة التقاعد بالمغرب: ضرورة حتمية أم تضحية اجتماعية؟ بقلم: بدر شاش

imresizer-1696453276055-600×445

جريدة البديل السياسي 

اصلاح منظمة التقاعد بالمغرب: ضرورة حتمية أم تضحية اجتماعية؟

بقلم: بدر شاشا

 

الزلزال الصامت في صناديق المعاشات

يعيش المجتمع المغربي اليوم على وقع نقاش حاد ومصيري يتعلق بمستقبل “الشيب” في بلادنا. فبينما ينشغل الشباب بفرص الشغل، يراقب الموظف والأجير بقلق بالغ مآل “سنين الشقاء” المحفوظة في صناديق التقاعد. إن رفع سن التقاعد إلى 65 سنة ليس مجرد رقم جديد يضاف إلى بطاقة التعريف، بل هو تحول بنيوي يمس جوهر التعاقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. فما الذي يجنيه المغرب فعلياً من هذه الخطوة؟ وهل نحن أمام إنقاذ للمستقبل أم تأجيل للأزمة؟

أولاً: الهروب من “شبح الإفلاس” المالي

لا يمكن فهم خلفيات رفع سن التقاعد دون الغوص في الأرقام الجافة التي تصدرها مؤسسات مثل “المجلس الأعلى للحسابات”. الحقيقة المرة هي أن النظام الحالي للتقاعد بالمغرب، وخاصة نظام المعاشات المدنية، يعاني من نزيف حاد. إن رفع السن إلى 65 سنة يمثل “طوق نجاة” مالي بامتياز:

  1. تقليص النفقات: تأخير صرف المعاشات لسنتين إضافيتين يعني توفير مليارات الدراهم التي كانت ستُصرف كرواتب تقاعد.
  2. تعزيز الإيرادات: بقاء الموظف في منصبه لسنتين إضافيتين يعني استمرار ضخ “الاقتطاعات” في خزينة الصندوق، مما يخلق توازناً مؤقتاً بين ما يدخل وما يخرج.

 

ثانياً: مواجهة “القنبلة الموقوتة” للديموغرافية

لقد تغير وجه المغرب؛ فبفضل تحسن الرعاية الصحية، ارتفع متوسط العمر المتوقع للمغاربة، وهذا “الخبر السار” صحياً هو “كابوس” تقني لصناديق التقاعد. قديماً، كانت نسبة المساهمين مقابل المتقاعدين مرتفعة جداً، أما اليوم، فنحن نتجه نحو وضعية حرجة حيث يمول موظفان فقط معاش متقاعد واحد. إن رفع سن التقاعد هو محاولة يائسة لتعديل هذه الكفة المائلة وضمان ألا تجد الأجيال القادمة صناديق فارغة عند وصولها لسن المشيب.

ثالثاً: صراع الأجيال.. الكفاءة مقابل التشغيل

من الزوايا الإيجابية التي تطرحها الحكومة، هي الاستفادة من “الخبرة التراكمية”. فالموظف عند سن الستين يكون في قمة نضجه المهني، وخاصة في قطاعات مثل التعليم والطب والقضاء. رحيل هؤلاء دفعة واحدة يترك فراغاً تقنياً يصعب ملؤه بسرعة. لكن، في المقابل، يطرح المقال تساؤلاً مشروعاً: ألا يؤدي “تجميد” المناصب لسنتين إضافيتين إلى سد الأبواب في وجه جحافل الخريجين الشباب الذين ينتظرون فرصة ولوج الوظيفة العمومية؟

رابعاً: البعد الماكرو-اقتصادي والضغط الدولي

المغرب لا يعيش في جزيرة معزولة؛ فالمؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد) تضع “إصلاح التقاعد” كشرط أساسي لضمان استقرار الميزانية العامة. رفع السن إلى 65 سنة يعطي إشارة قوية للمستثمرين والمانحين بأن الدولة المغربية قادرة على اتخاذ “قرارات شجاعة” (وإن كانت غير شعبية) لضمان توازنها المالي، مما يحافظ على التصنيف الائتماني للمملكة.

خامساً: هل تكفي “سنتان إضافيتان” لحل الأزمة؟

بصفتنا مراقبين، يجب أن نتساءل بصراحة: هل رفع السن هو الحل السحري؟ يرى العديد من الخبراء أن هذا الإصلاح “مقياسي” فقط، أي أنه يربح الوقت ولا يحل أصل المشكلة. الحل الشامل يتطلب “نظاماً قطبياً” موحداً، وإدماج القطاع غير المهيكل لتوسيع قاعدة المنخرطين، والأهم من ذلك، استثمار أموال الصناديق في مشاريع ذات مردودية عالية تدر أرباحاً تغطي العجز دون إثقال كاهل الموظف البسيط.

خاتمة: نحو تقاعد كريم وليس مجرد “بقاء”

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي