جريدة البديل السياسي – الاستاذ طعام عبد المجيد
المائدة الرمضانية كأداة للهيمنة الناعمة.
قراءة سوسيولوجية نقدية.
يبدو للوهلة الأولى أن برامج الطبخ الرمضانية التي تبثها القناتان المغربيتان الأولى والثانية، ليست أكثر من مواد ترفيهية تملأ ساعات ما قبل الإفطار بعطر التوابل وألوان الأطباق. لكن المتأمل في هذا الخطاب التلفزيوني بعين سوسيولوجية، يكتشف أنه يحمل في طياته منظومة رمزية كاملة، تتقاطع فيها إشكاليات التمثيل الطبقي وصناعة الرغبة والهيمنة الثقافية، في سياق ديني يفترض فيه المنطق أن يكون الزهد سيد المشهد لا الاستهلاك.
إن السؤال الأول الذي يطرحه هذا الخطاب ليس ما يطبخ، بل لمن يطبخ. فالأطباق المعروضة، من اللحوم والأسماك إلى الحلويات المركبة وأطباق الفواكه المتنوعة، تفترض ضمنيا قدرة شرائية متوسطة أو مرتفعة، في حين أن شريحة واسعة من المجتمع المغربي تعجز عن توفير مائدة إفطار كاملة وفق هذا النموذج المصور. من هنا يتبين أن الخطاب التلفزيوني لا يعكس واقع الناس، بل يعرض صورة مثالية استهلاكية لما يفترض أن تبدو عليه المائدة الرمضانية الصحيحة.
وفق تحليل بيير بورديو للذوق باعتباره تعبيرا عن الموقع الاجتماعي، فإن اختيارات الطعام ليست بريئة. إنها مرتبطة بما يسميه بورديو رأس المال الاقتصادي والثقافي. حين تمجد أطباق بعينها بوصفها معيارا للاحتفال والجودة، لا يجري تقديم وصفة طبخ بل ترسيخ ذوق طبقي بعينه باعتباره الطبيعي والأصيل، بينما يدفع ذوق الفئات الشعبية وموائدها البسيطة إلى هامش الصمت والإهمال الرمزي. تتحول المائدة بهذا المعنى من فضاء تضامن إلى ميدان للمفاضلة الطبقية الصامتة، حيث يعاد إنتاج التفاوت الاجتماعي عبر الصورة والإيقاع البصري لا عبر الخطاب المباشر.
يمكن قراءة هذه البرامج في ضوء منظري صناعة الثقافة ومنهم أدورنو أحد مفكري مدرسة فرانكفورت، حيث يرى أن الإعلام لا يكتفي بعكس الواقع بل يصنع رغباته ويعيد تشكيلها. فالشاشة تضخ صور الوفرة واللذة بإيقاع يومي منتظم، وتخلق نموذجا استهلاكيا موحدا يغري بالتماهي معه، حتى في شهر يفترض أنه شهر كبح الشهوات وتهذيب النفس. لا تكون الوصفة في هذا السياق مجرد اقتراح غذائي، بل محفزا لرغبة استهلاكية دائمة تتجدد مع كل برنامج وكل إفطار.
المفارقة المثيرة للتأمل أن هذا الخطاب الاستهلاكي يتجاور يوميا مع خطاب ديني يبثه الإعلام ذاته، خطاب يحث على القناعة والاعتدال والتفرغ للعبادة وتخفيف ثقل الماديات. يجد المتلقي نفسه أمام بنيتين دلاليتين متعارضتين تسكنان الشاشة معا دون احتراز، بنية تحرض اللذة الجسدية وتجعل المائدة مركز السعادة، وأخرى تدعو إلى السمو الروحي وتذكر بأن رمضان زمن اعتدال وليس زمن وفرة وإشباع.
هذا التعايش بين المتناقضين يستحضر ما صاغه جورج أورويل في روايته “1984” من مفهوم الوعي المنقسم، تلك القدرة على استيعاب فكرتين متناقضتين في آن واحد دون الشعور بالتناقض ودون أن يصبح محل تساؤل. يطلب من المشاهد المغربي في رمضان أن يشتهي وأن يزهد، أن يستهلك وأن يتعفف، أن يحتفل بالمائدة وأن يرتفع عنها روحيا، في لحظة واحدة وبلا تردد.
إن فهم هذه الظاهرة يستدعي أيضا استحضار مفهوم الهيمنة الثقافية بمعناه الغرامشي العميق. فالسيطرة لا تمارس فقط عبر القوة والإكراه، بل عبر تشكيل الرغبات والتمثلات، عبر جعل نموذج استهلاكي بعينه يبدو طبيعيا وبديهيا، حتى لمن لا يملك أسباب الوصول إليه. حين يغمر المشاهد يوميا بصور موائد عامرة وأطباق فاخرة، يدفع ولو رمزيا إلى قياس ذاته وإفطاره ومائدته بميزان استهلاكي قد يعجز عن بلوغه، فيحمل دون أن يدري إحساسا خفيا بالنقص والإقصاء الرمزي.
بالنسبة للطبقات الشعبية، قد يتحول رمضان بهذا الضخ الإعلامي من زمن سكينة وتأمل إلى زمن مقارنة مؤلمة. تصير المائدة معيارا ضمنيا للقيمة الاجتماعية بدلا من أن تكون فضاء تضامن واجتماع. ويزداد وقع ذلك حين يقترن بخطاب وعظي يطالب الفقير بالصبر والقناعة، دون أن يسائل البنية الاقتصادية التي تجعل القناعة فضيلة مفروضة لا مختارة.
إن ما يكشفه تحليل الخطاب الطبخي الرمضاني في التلفزيون المغربي يتجاوز مسألة البرمجة أو الذوق الإعلامي. إنه يضع أمامنا توترا بنيويا عميقا بين منطقين لا يصالح بينهما. منطق اقتصاد الاستهلاك الذي يجعل من الرغبة محركا دائما للفعل الاجتماعي، ومنطق الصوم الذي يقوم في جوهره على تعليق تلك الرغبة والتحرر منها مؤقتا.
حين تختزل السعادة الرمضانية في وفرة الأطباق وتنوعها، يعاد تعريف الفرح في حدود القدرة الشرائية، وتصادر إمكانية الاحتفال من الذي لا يملك قدرة شرائية. في هذا التوتر تحديدا تتجلى إحدى مفارقات الخطاب الإعلامي في المجتمعات العربية عامة. خطاب أخلاقي معلن يدعو إلى الزهد، وبنية رمزية تعمل في الاتجاه المعاكس تماما. مائدة تعرض للجميع، لكنها تقدم لفئة بعينها، في شهر يفترض أنه ملك الجميع.


تعليقات
0