جريدة البديل السياسي
بين الولاء الحزبي ووجع المواطن، من يمثل من؟ .
بقلم / حليمة صومعي.
لم يعد المشهد السياسي اليوم واضح المعالم كما كان يُراد له أن يبدو. بعد تأملٍ طويل ومتابعةٍ دقيقة لعدد من اللقاءات والتجمعات، يطفو سؤال موجع على السطح: هل تُخاض المعارك السياسية دفاعاً عن المبادئ وخدمةً للمواطن، أم دفاعاً عن الألوان الحزبية والمواقع الانتخابية؟
في كثير من النقاشات، يبدو أن لغة الانتماء الحزبي تعلو فوق لغة المصلحة العامة.
تتحول المنابر إلى ساحات استعراض، وتصبح المعارضة موقفاً شكلياً لا يرتبط دائماً بقضايا الناس، بل يرتبط أحياناً بتموقع سياسي أو حساب انتخابي. فالمعيار لا يكون: “ما الذي يخدم المواطن؟”
بل “ما الذي يخدم الحزب؟”. المواطن البسيط، الذي أنهكته تكاليف المعيشة وتثقل كاهله أعباء الحياة اليومية، لا يعنيه من يتصدر المشهد بقدر ما يعنيه من يخفف عنه. لا ينتظر خطابات حماسية ولا سجالات موسمية، بل ينتظر قرارات ملموسة تُحسن واقعه. غير أن ما يراه في كثير من الأحيان هو صراع حول المقاعد، سباق نحو رئاسة، وتنافس على الزعامة…
بينما تظل قضاياه الحقيقية معلقة بين هذا وذاك. الأنانية السياسية حين تتغلغل في العمل الحزبي تفقده روحه النضالية. تتحول الأحزاب من مؤسسات للتأطير والدفاع عن الصالح العام إلى كيانات منشغلة بحساباتها الداخلية. يصبح الانتماء غاية في حد ذاته، لا وسيلة لخدمة المجتمع. وهنا يكمن الخلل العميق: حين يُختزل الوطن في حزب، وتُختزل السياسة في انتخابات.
إن قوة أي ممارسة سياسية تُقاس بمدى قربها من نبض الشارع، بقدرتها على الإصغاء لا على الإلقاء، وعلى البناء لا على المناكفة. المعارضة الحقيقية ليست تلك التي تعارض لمجرد المعارضة، ولا التي تصطف فقط حين يخدم الاصطفاف مصالحها، بل تلك التي تجعل المواطن بوصلة مواقفها، سواء كانت في الأغلبية أو في الصفوف الخلفية.
ما يحز في النفس حقاً هو أن المواطن يجد نفسه محاصراً بين خطابات متصارعة، لا يرى فيها إلا تبادل اتهامات، بينما يظل هو الحلقة الأضعف. وحين تفقد السياسة بعدها الأخلاقي، يصبح العزوف نتيجة طبيعية، ويصبح فقدان الثقة عنوان المرحلة.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مراجعة صادقة تعيد الاعتبار لفكرة العمل العام كمسؤولية لا كامتياز، وكخدمة لا كغنيمة. فالوطن أكبر من أي حزب، والمواطن أسمى من أي حساب انتخابي، والسياسة في جوهرها ليست صراع مواقع، بل أمانة تمثيل.
ويبقى السؤال مفتوحاً: متى يتحول الانتماء الحزبي من درعٍ للمصالح الضيقة إلى جسرٍ يعبر به السياسي نحو خدمة المواطن


تعليقات
0