جريدة البديل السياسي
الفقيه مول اليد (قصة مستمدة من صلب الواقع)
بقلم عبد القادر بوراص أبو إسحاق
اشتهر الفقيه عبد السميع بعلاج مختلف الأمراض التي استعصت على الطب الحديث، وإبطال السحر ومساعدة العوانس على الزواج، وذاع صيته ليتجاوز الحدود بعد أن نجح في شفاء مواطن جزائري من جنسية فرنسية ظل لسنوات مشلولا لا يفارق كرسيه المتحرك، وأصبح سليما معافى يمارس رياضة المشي، هوايته المفضلة التي حرم منها لأعوام طويلة.
كان الناس يصطفون في طوابير طويلة خارج منزله الضيق المتواضع بحي الشينوا الشعبي، في انتظار نوبتهم للدخول بهدف عرض حالاتهم المرضية المستعصية عليه. أكثر زائريه من النساء. ولما تحسنت أحواله المادية، انتقل للإقامة ببيت واسع، واتخذ من الطابق الأول منه عيادة بمواصفات عصرية، وأصبح زبناؤه من المرضى يجلسون على الأرائك والكراسي الوثيرة بدل الحصير الخشن سابقا.
كان فقيها مهابا بجلبابه الأبيض الناصع تخللته خيوط حريرية رقيقة صفراء، عفا على لحيته فأصبحت كثيفة غطت معظم وجهه لتتدلى على صدره بكل حرية، كثير الشك في زائريه حيث كانت عيناه لا تفارقان زبناءه وتجذبانهم كالمغناطيس، ويخضعهم لاستقصاء وتحري دقيقين كأنه تحقيق بوليسي. وضع على مكتبه دواة زجاجية محشوة بالقطن والسمق، وبجانبها أقلام صنعها من القصب، اصطفت بنظام وسط كوب طيني مطلي بمادة القطران.
لم يتردد السياسيون وأعيان المدينة في زيارته والتقرب منه لنيل رضاه طمعا في مساعدتهم للظفر في الانتخابات، وزادت ثقتهم به لما تحقق حلم أحد زواره من الأميين الذين لا تجمعهم بالسياسة ولا العمل الجماعي سوى الخير والإحسان في أن يصبح رئيسا لمجلس جماعته القروية، وإن كان الفضل في فوزه يعود للطابع القبلي السائد المعتمد على شعار: “انصر أخاك ظالما او مظلوما”.
استقبل بحفاوة كبيرة وهو يحل ضيفا على أحد كبار الأغنياء بدولة في الخليج، وكان محظوظا بلا حدود حين ساعدته الظروف في شفاء ابنته التي كانت تعاني من صرع مزمن، وأغذق عليه من المال ما لم يكن في حسبانه، ليعود إلى بلدته بغنيمة مالية تكفيه العيش لعشرات السنين دون عمل. وتغيرت حياته رأسا على عقب، حيث انغمس في حياة اللهو والمجون، وأصبح يرتاد أرقى الملاهي الليلية بشواطئ المدن، وأزال عمامته بعد أن أخضع شعر رأسه ولحيته لحلاقة شبابية عصرية، وتزوج من فدوى، وهي فتاة حسناء في عقدها الثاني، والتي زفت لعريسها الفقيه مكرهة، وكانت الصدمة كبيرة حين دخل بها فوجدها غير بكر، حيث أخضعها لعملية تحقيق كالتي يستعملها مع زبنائه المرضى، لتبوح له بسر علاقتها الغرامية التي كانت تربطها مع زميلها أمجد في كلية الحقوق، وقدمت له رقم هاتفه.
انشغل الفقيه كثيرا بأمر الفتاة وعشيقها أمجد وشعر بإهانة لم يتقبلها وهو الشيخ العارف الذي يضرب له ألف حساب، وغاضته خسارته المالية الكبيرة التي أنفقها في حفل الزفاف ومهر العروس الخيالي. وانقطع عن عمله اليومي وعلق على باب منزله لوحة كتب عليها بحروف بارزة من السمق: “الشيخ الجليل عبد السميع في عطلة إلى أجل غير مسمى”.
استدرج الفقبه غريمه الشاب الجامعي مستعينا في ذلك بزوجته الجديدة إلى بيت مهجور خارج المدينة، وهناك قام بتكبيله والاعتداء عليه جنسيا قبل تعذيبه أشد العذاب انتقاما لشرفه المعتدى عليه حسب زعمه، ولم بهدأ له بال حتى تيقن من وفاته، فقام بدفنه بعين المكان بعد أن اقتطع يده اليمنى ووضعها في كيس بلاستيكي ورمى به داخل صندوق السيارة الخلفي، وعاد إلى بيته وقد بدأ الصبح يتنفس.
لاحظ الأساتذة غياب أمجد عن اجتياز الامتحانات وهو الشاب المجتهد المتميز، وتم الاتصال به مرارا وتكرارا عبر رقمه الهاتفي إلا أنه كان خارج التغطية، وبدأت عملية البحث عنه، حيث نشرت صوره على مواقع التواصل الاجتماعي، وشغل خبر اختفائه الناس وملأ المجالس في كل دار ومقهى، ولم تتحمل حبيبته فدوى مزيدا من الصبر حيث فرت ذات صباح إلى بيت أهلها مستغلة استغراق بعلها في النوم، وباحت بالسر الذي ينتظر الجميع كشفه، وقامت المصالح الأمنية بإيقافه وهو ما زال في سريره، وبعد عملية تفتيش دقيقة لمنزله تم العثور على يد ضحيته، والتي كان ينوي استعمالها في عمليات السحر، وقادهم إلى مكان دفن الجثة وسط سخط شعبي كبير مع المطالبة بإنزال أقصى العقوبات في حقه.ط، وهكذا وجد الفقيه نفسه قد فقد عزه وجاهه. ولما عرف نزلاء السجن قضيته لقبوه ب “الفقيه مول اليد”.


تعليقات
0