جريدة البديل السياسي- نورالدين طاهري
نعي الفارس الذي ترجل: في وداع الزجال أحمد اليعقوبي
بمشاعر يملؤها الذهول، وتغلفها مرارة الفقد، تلقيت نبأ رحيل القامة الأدبية الشامخة، والروح الأصيلة التي سكنت تفاصيلنا، الشاعر والزجال القدير أحمد اليعقوبي. بالأمس فقط، كنت أمد خيوط الاتصال نحو هاتفه، أبحث عن صوته المعهود، لكن الصمت كان ردا ثقيلا لم أدرك كنهه إلا حين وقع الخبر كالصاعقة؛ لقد كان الموت أسرع من رنين هاتفي، وكان القدر قد اختار لبلبل الزجل أن يغرد في سماء الخلد.
لقد فقدتُ وفقدت المنطقة برحيله ركنا متينا من أركان الذاكرة والجمال، ففي كل عطلة كان لي معه موعدٌ يختصر المسافات والزمن. كنت أجلس إليه، فلا أجد أمامي مجرد شاعر، بل مؤرخا شغوفا، يحمل في صدره عبق التراث، ويسرد ببراعة نادرة سير الشخصيات الفكرية والأدبية التي صنعت مجد منطقتنا. كان يعشق الأرض وتراثها عشقا صوفيا، جعل من الزجل قضية وعمرا، وسكب تلك المحبة في دواوين ستظل منارةً لكل باحث عن الأصالة والكلمة الموزونة التي تخرج من القلب لتقر في القلوب.
ما كان يميز الراحل الكبير أن شعره لم يكن محبوسا بين دفتي كتاب، بل كان أسلوب حياة؛ فحين كنت أناقشه أو أتحدث إليه، كنت أقف مبهورا أمام تلك التلقائية المدهشة، حيث ينساب الكلام من فمه شعرا محكما وحكما بالغة، دون تكلّف أو تصنّع. كان يبهرني بذكائه الوقاد، وبكرمه الحاتمي الذي يتجاوز المادة ليصبح كرما في المشاعر، وكرما في منح المعرفة، وكرما في استقبال الصغير والكبير بقلب يتسع للجميع.
رحل أحمد اليعقوبي، وغابت تلك الجلسات التي كانت تفيض بالأدب والتراث، لكنه ترك خلفه أثرا لا يمحى، وتاريخا مدونا بمداد الوفاء للأرض والناس. إن غاب صوته عن الهاتف اليوم، فإن صدى كلماته وحكمته سيظل يتردد في كل زاوية من زوايا المنطقة التي أحبها وأخلص لها. نم قرير العين يا أبا الحكمة، فقد كنت نعم الصديق، ونعم الأديب، ونعم الحافظ للأمانة، وإنا على فراقك لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
نورالدين طاهري


تعليقات
0