جريدة البديل السياسي -احمد عاشور
لم تمض سوى أيام قليلة على اندلاع المواجهة الأخيرة باعتداء صهيو-أمريكي على إيران، حتى وجد العالم نفسه أمام موجة جديدة من التوترات الجيوسياسية، حرب لم يتجاوز عمرها ثمانية أيام، لكنها استطاعت أن تغير بسرعة أولويات الإعلام والرأي العام العالمي.
في خضم هذه التطورات، تراجعت إلى الخلف حروب وأزمات ما تزال مشتعلة، فقد خفت الحديث عن الحرب الروسية الأوكرانية التي دخلت عامها الثالث، كما تراجعت المأساة السودانية في نشرات الأخبار، وانزاحت مأساة غزة وحصارها عن واجهة الاهتمام الدولي، وكأن العالم يعيش من أزمة إلى أخرى دون أن يجد طريقا حقيقيا نحو السلام.
غير أن هذه التطورات كشفت مرة أخرى عن ضعف النظام الدولي القائم، فالمؤسسات التي يفترض أن تحمي السلم العالمي تبدو عاجزة أكثر من أي وقت مضى، فقد بات واضحا أن القانون الدولي يطبق بانتقائية، وأن الأمم المتحدة ومؤسساتها تعاني من شلل حقيقي، في حين يقف مجلس الأمن عاجزا عن اتخاذ قرارات حاسمة كلما تعلق الأمر بصراعات ترتبط بالقوى الكبرى. هذه المفارقة تعمق الإحساس بأن النظام الدولي الحالي لم يعد قادرا على ضمان العدالة أو فرض احترام القوانين بين الدول.
هذه الحرب القصيرة نسبيا كشفت أيضا حقيقة سياسية أخرى، أن من يراهن على الحماية المطلقة أو الدعم غير المشروط من المحور الصهيو-أمريكي قد يكون واهما، فالتوازنات الدولية تتغير بسرعة، والمصالح الكبرى تتحكم في القرارات قبل أي اعتبارات أخرى.
أما في المغرب، فقد ظهرت تداعيات الأزمة بشكل مختلف تماما، فقبل أن تتضح آثار الحرب على سوق النفط العالمية، سجل ارتفاع في أسعار المحروقات، وهو ما يثير تساؤلات واسعة لدى المواطنين، خاصة وأن هذه الزيادات تأتي في ظرفية اقتصادية صعبة تعاني فيها القدرة الشرائية من ضغط متزايد.
وتزداد هذه التساؤلات حين يتعلق الأمر بشركات استيراد المحروقات التي يهيمن عليها عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، المرتبطين في نظر كثيرين بمحيط السلطة السياسية، أو بما يعرف في الخطاب السياسي بـ حاشية رئيس الحكومة عزيز أخنوش، التي تسيطر على جزء مهم من سوق المحروقات.
ويشير منتقدون إلى أن بعض هذه الشركات استفادت في فترات سابقة من استيراد المحروقات بأسعار منخفضة، خصوصا من السوق الروسية، غير أن انعكاس هذه الكلفة المنخفضة على أسعار البيع للمواطنين ظل محدودا، بينما تأتي الزيادات بسرعة كلما ظهرت أزمة دولية أو توتر جيوسياسي.
هذا الواقع يعيد إلى الواجهة النقاش حول تحرير أسعار المحروقات في المغرب، وحول مدى فعالية آليات المراقبة وحماية المنافسة، ومدى قدرة الدولة على حماية القدرة الشرائية للمواطنين من تقلبات السوق ومن احتمالات الاحتكار.
ثمانية أيام فقط من حرب بعيدة جغرافيا، كانت كافية لتعيد طرح أسئلة كبيرة،
عن عدالة النظام الدولي، وعن حدود القانون الدولي، وعن واقع سوق المحروقات في المغرب.
لكن بالنسبة للمواطن البسيط، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحا أن تداعيات الحروب العالمية لا تصل إليه عبر نشرات الأخبار فقط، بل عبر فاتورة الوقود التي ترتفع كلما اشتعلت أزمة في مكان ما من العالم.


تعليقات
0